الموقع بوست

اليمنيون والمخلوع صالح.. حصاد سنوات الدم والدمع (2-2)

[ لم يحقق صالح خلال حكمه أي تنمية اقتصادية أو استقرار سياسي ]

الموقع بوست - خاص
الجمعة, 04 أغسطس, 2017 07:49 مساءً

أوضحنا في الحلقة الأولى أن المخلوع علي صالح بدأ مسيرته العسكرية والسياسية بحروب واغتيالات وتصفيات جسدية وأحكامًا بالإعدام واعتقالات وإخفاء قسري للمعتقلين والمختطفين، حتى خلا شمال البلاد من أي معارضين أو منافسين له على السلطة، فشهدت البلاد استقرارًا نسبيًا طوال مرحلة الثمانينيات، لأنه لم يعد هناك ما يدفع علي صالح لإشعال الحروب، لأن السلطة أصبحت في مأمن من أي خطر.

وسنوضح في هذه الحلقة كيف أن علي صالح أشعل الحروب بعد ذلك عدة مرات، كلما ظهر خطر ما يهدد السلطة، حتى أوصل البلاد إلى الوضع المأساوي الذي تشهده حاليًا.

حرب صيف 1994

عاد الخطر على سلطة علي صالح بعد تحقيق الوحدة الوطنية عام 1994، فعاد معها مسلسل الاغتيالات والحروب، وبدأ ذلك بإقصاء وتهميش الاشتراكيين من السلطة، وافتعل أزمة سياسية معهم، زاد من حدتها الاغتيالات التي طالت عددًا كبيرًا من قيادات الحزب الاشتراكي، واستضافة علي صالح للمجاهدين العرب العائدين من أفغانستان المعروفين بـ"الأفغان العرب"، الذين رفضت بلدانهم استقبالهم، وأدمج بعضهم في قوات الجيش والأمن، وسمح للبعض الآخر بتشكيل ما عرف حينها بـ"جيش عدن أبين الإسلامي" في جبال محافظة أبين، لاستخدامهم فزاعة ضد الحزب الاشتراكي في أبرز معاقله.

استضاف المخلوع علي صالح الأفغان العرب بهدف استخدامهم في تصفية رموز وقيادات الحزب الاشتراكي، وتحدثت مصادر حينها أن مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن عرض على المخلوع صالح تغطية العجز في ميزانية الحكومة اليمنية، مقابل السماح له بمقاتلة "الشيوعيين" في اليمن بعد الانتصار على الاتحاد السوفييتي الشيوعي في أفغانستان، وأنه كان قد أقسم قبل ذلك قائلًا "ما بقيت إن بقي الحزب الاشتراكي حاكمًا في جنوب اليمن".

استمرت تفاعلات الأزمة، وتزايدت حدتها، حتى اندلعت حرب صيف 1994 الأهلية، وإعلان علي سالم البيض للانفصال، وانتهت الحرب بهزيمة الانفصاليين، وزال الخطر على سلطة علي صالح، وشهدت البلاد استقرارًا نسبيًا دام عدة سنوات، حتى بدأت تظهر أخطار جديدة على السلطة، فعادت الحروب والأزمات مرة أخرى.

حروب لأجل التوريث

بعد أن هيمن المخلوع علي صالح على اليمن الموحد شمالًا وجنوبًا لعدة سنوات، بعد حرب صيف 1994، بدأ بالإعداد المبكر لمشروع التوريث عام 1999، من خلال تأسيس قوات عسكرية بمواصفات عائلية وقبلية ومناطقية، أطلق عليها "الحرس الجمهوري"، ثم أسند مهمة قيادتها لنجله الأكبر أحمد، وتم تسليحها وتدريبها بشكل نوعي، مقابل تهميش بقية ألوية الجيش، وسحب الأسلحة الحديثة والنوعية منها، وضمها لأسلحة "الحرس الجمهوري".

غير أن الاعتراض الصامت من قبل بعض الشخصيات على مشروع التوريث، مثل القائد العسكري علي محسن الأحمر، وتاليًا بعض أبناء الشيخ عبدالله الأحمر، وإعلان حزب الإصلاح انتهاء تحالفه الإستراتيجي مع علي صالح وحزب المؤتمر بعد الانتخابات المحلية عام 2001، ثم تشكيل تحالف أحزاب اللقاء المشترك عام 2003 لإيجاد معارضة قوية وفعالة، كل ذلك جعل علي صالح يشعر حينها بأن الأخطار على السلطة وعلى مشروع التوريث بدأت تطل برأسها، وأنه لابد من القضاء عليها قبل أن تكبر، ويصعب القضاء عليها.

افتعل المخلوع صالح الحرب في صعدة بغرض إنهاك قوات الجيش التي يقودها علي محسن الأحمر، والتي ينتمي منتسبوها لمختلف المحافظات اليمنية، وكان يمد الحوثيين بالأسلحة من مخازن قوات "الحرس الجمهوري"، وحاول استدراج حزب الإصلاح إلى المعركة ضد الحوثيين، لكنه فشل، وكل ذلك من أجل إنهاك أعداء مشروع التوريث ثم القضاء عليهم، ثم تسارعت الأحداث بظهور الحراك الجنوبي المطالب بالانفصال، واندلعت ست جولات من الحرب في صعدة خلال (2004 - 2010).

وبعد أن تم مكاشفة الشعب بطريقة غير مباشرة بمشروع التوريث، في أواخر العام 2010، من خلال السعي للتعديل الدستوري، وتمديد علي صالح لنفسه في السلطة، كانت حدة السخط الشعبي قد بلغت منتهاها، فاندلعت ثورة 11 فبراير 2011 تزامنًا مع ثورات الربيع العربي، ورغم قتل علي صالح لعدد كبير من شباب الثورة في مختلف الساحات، إلا أن الثورة نجحت في إسقاطه وعائلته من السلطة.

تسارعت الأحداث، واكتشف المخلوع صالح أن الثورة ومخرجات الحوار الوطني، وخاصة إقرار نظام الأقاليم الفيدرالية، يعني أن مشروع التوريث، والهيمنة على السلطة والثروة في جميع أنحاء البلاد، كل ذلك انتهى وإلى الأبد.

التحالف مع الإماميين

دفع المآل الذي وصلت إليه تطورات الأحداث بالمخلوع علي صالح للتحالف مع الحوثيين الراغبين بعودة نظام الإمامة، والانقلاب على السلطة الشرعية والنظام الجمهوري برمته، وتسبب في أبشع وأسوأ حرب لم يسبق أن شهدتها البلاد خلال تاريخها الضارب في القدم، وترتب عليها تفتت البلاد وانقسامها سياسيًا ومناطقيًا وقبليًا ومذهبيًا، وانتشار الفقر والجوع حد الموت والأمراض والأوبئة الفتاكة، فضلًا عن الدماء التي سفكت، والدموع التي سالت، والتدمير الذي طال منازل المواطنين، وطال مختلف مظاهر الحياة، كل ذلك من أجل أن يورث السلطة لنجله أحمد، وبدأ "المطبلون" له في الأشهر الأخيرة بتلميعه، والتبشير بأن الحرب لن تنتهي في اليمن إلا بعودة علي صالح وعائلته، خاصة نجله أحمد، إلى السلطة.

وهكذا يتضح مما سبق أن المخلوع علي صالح لم يحقق خلال سنوات حكمه الكثيرة أي تنمية اقتصادية أو استقرار سياسي، وحول البلاد إلى مسرح للمعارك والحروب والأزمات كلما بدا أن خطرًا يهدد السلطة، وسالت خلال سنوات حكمه الدماء والدموع في مختلف أنحاء الوطن، وما زالت تسيل حتى يومنا هذا بسببه، من أجل أن يمتلك اليمن، لا أن يحكمها فقط، وتوريثها لذريته من بعده، وكأن البلاد عبارة "مزرعة" ورثها من جده "عفاش" في قرية سنحان.


لمتابعة الموقع على التيلجرام @Almawqeapost