الموقع بوست

سيناريوهات مستقبل حزب المؤتمر الشعبي العام بين البيات والميراث (الحلقة الثالثة)

[ تأسس حزب المؤتمر مطلع الثمانينات من القرن الماضي ]

الموقع بوست - عامر الدميني
الأحد, 31 ديسمبر, 2017 08:31 مساءً

الضربة التي تلقاها حزب المؤتمر الشعبي العام نتيجة مقتل رئيسه علي عبدالله صالح على يد الحوثيين في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 2017م في العاصمة صنعاء كانت موجعة، وشقت خاصرة الحزب الذي نشأ في كنف السلطة منذ تأسيسه مطلع الثمانينات من القرن الماضي.
 
جاءت الضربة في وقت يعاني فيه الحزب من الانقسام، بعد انقسامه إلى كتلتين، الأولى ظلت في صنعاء، تحت إمرة صالح، والثانية انتقلت إلى المملكة العربية السعودية بقيادة الرئيس عبدربه منصور هادي.
 
يعيش الحزب حاليا أشبه ما يكون في مرحلة البيات الشتوي، أو الوضع ما بعد الوفاة، حينما يجد الورثة أنفسهم أمام مأزق وإشكالية تتعلق بمن يرث التركة التي خلفها الراحل، وأي الورثة أجدر بها، وأكثرهم استحقاقا.
 
وفقا للوائح الداخلية المنظمة لحزب المؤتمر، فإن رئيس الحزب هو رئيس الجمهورية، وهي لائحة فصلها صالح بما يخدم بقاءه، وجمعه بين السلطة وقيادة الحزب، وعندما خرج من السلطة رفض التنازل عن رئاسة الحزب لهادي، والذي ينتمي لذات الحزب، وكان النائب الأول لصالح، بعد أن كان الأمين العام للحزب.
 
إقرأ أيضا: حزب المؤتمر الشعبي العام.. ثلاثة عقود من العلاقة بين السلطة والنفوذ (الحلقة الأولى)
 
هذه الإشكالية التي وقعت منذ الخروج القسري لصالح عن الحكم، شكلت النواة الأولى لبذرة الخلافات داخل الحزب، والتي تطورت لاحقا، وأدت إلى فصل هادي من الحزب من قبل صالح، ثم لحقت بها سلسلة تطورات قادت إلى الفرقة التامة بين الرجلين، ثم انشقاق الحزب إلى تيارين، بأجندة مختلفة.
 
ظل المؤتمر الشعبي العام برأسين منذ قيام عاصفة الحزم، وأصبح هناك تيار في الداخل يتزعمه صالح وتحالف مع مليشيا الحوثي، في بوتقة سياسية وعسكرية واحدة، وتيار انتقل إلى السعودية، مع انتقال الرئيس هادي، وقدم توصيفا لنفسه بأنه داعم للشرعية وأحد مكوناتها.
 
الفارق بين التيارين، أن الأول ظل محتفظا بوجوده في الداخل مع قاعدته الشعبية، فيما كان الثاني عبارة عن صف من القيادات مع قليل من الأتباع الذين لا يعدو عن كونهم موظفين في جهات عديدة بالحكومة، وانتقلوا للرياض لعدة مهام ليس الحديث عنها هنا مناسبا.
 
ما بعد صالح
 
بمقتل صالح وجد الحزب نفسه أمام وضع معقد، وتركة ثقيلة، تتراوح بين ميراث ماضي تسبب فيه الحزب بالوصول بالبلد إلى هذا الحال الذي تعيشه الآن، وبمستقبل ملبد يكتنفه الغموض، ويلفه الشتات، وكان أبرز تجلٍ للوضع الذي يعيشه المؤتمر هو أمران الأول أزمة القيادة التي يمر بها، ومن سيحل مكان صالح، والثاني يتعلق بالقاعدة الشعبية ومكتسبات الحزب داخل المناطق التي يتواجد فيها الحوثيون، وكيف ستكون نهايتها ومصيرها.
 
من حيث الطابع العام ينقسم اليوم المؤتمر الشعبي العام إلى تيارين، الأول المتواجد داخل اليمن، وتحديدا في مناطق سيطرة الحوثيين، والثاني خارج اليمن.
 
بالنسبة للأول، فقد وضع الحوثيون يدهم عليه، عندما سعوا لاحتواء القيادات المؤتمرية التي تعد من المقربة لهم خلال الفترة الماضية، أو تلك التي لم يكن لها اشتراك كبير في إعلان صالح الانتفاض على الحوثيين.
 
وأجرى القيادي الحوثي صالح الصماد الذي يرأس ما يسمى بالمجلس السياسي الأعلى عدة لقاءات مع قيادات مؤتمرية، كيحيى الراعي عضو اللجنة العامة للمؤتمر ورئيس مجلس النواب، وفائقة السيد، وعبده الجندي، وغيرهم من قيادات الحزب الباقية في الداخل، في محاولة تستهدف الإبقاء على الحزب في كيانه الصوري بعيدا عن التأثير السياسي الذي كان يتمتع به مع وجود صالح حيا.
 
وحتى كتابة هذه المادة لم يصدر عن القيادات المؤتمرية المتواجدة في الداخل أي مؤشرات توحي بأنها تعمل على إعادة ضبط الحزب، وتقديمه بقيادة جديدة، من شأنها المحافظة على الحزب، ولو كان ذلك تحت إشراف الحوثيين أنفسهم.
 
وفي كل الأحوال، فالتركة الكبرى التي خلفها صالح كالحزب، والقيادات التي تتوزع على السلطة المحلية ومجلسي النواب والشورى، وشبكات النفوذ الاجتماعي، لاتزال في الداخل، حيث يتواجد الحوثيون، وحتى إن سمحت لهم سلطة المليشيا بإعادة تشكيل الحزب والانخراط فيه، فلن يخرج الحزب عن كونه أداة من أدوات الحوثيين، من حيث الارتباط والقرار والأداء والتأثير.
 
أما بالنسبة للتيار الثاني فلازال أيضا يعيش مرحلة من الاضطراب وتوجس كل طرف من الآخر، رغم وضوح الوضع القانوني للحزب، فأدبيات الحزب تشير بوضوح إلى أن الرئيس هادي هو رئيس الحزب، وبالتالي يفترض أن تلم تلك القيادات نفسها، وتلتحق بهادي، وتعيد ترتيب نفسها وفق الوضع الجديد.
 
تيارات المؤتمر الآن
 
ما يجري الآن جاء نتيجة ولادة العديد من الإشكاليات والتطورات التي أعقبت مقتل صالح، فهناك تيار مؤتمري ظل قريبا من صالح لكنه لم يظل بجانبه، وتوزع على العديد من البلدان، وبنفس الوقت لم ينضم للتيار المؤتمري الذي يتزعمه هادي في الرياض، كسلطان البركاني، والعديد من القيادات الأخرى.
 
وهناك التيار الذي استطاع الإفلات من قبضة الحوثيين في صنعاء، وانتقل إلى المناطق المحررة كعدن ومأرب أو خارج اليمن، ورغم ذلك لازال تحت تأثير الصدمة نتيجة مقتل صالح، ولايزال أيضا يرفع راية صالح، ويحدد موقفا سلبيا من هادي، ويتصرف وفقا لثقافة العداء السابقة التي كان يشنها حزب المؤتمر تجاه هادي، باعتباره فارا، وسببا من أسباب الوضع المتدهور الذي عاشته اليمن والحزب.
 
أما التيار الثالث فهو التيار الذي يعمل بقيادة هادي، وهو خليط من عدة شخصيات بعضها يرتبط ببقية التيارات الأخرى لحزب المؤتمر، ويحتفظ بدرجة وسطى من العلاقة، بانتظار ترجيح الكفة لصالح هذا التيار أو ذاك.
 
أما التحدي الصعب الذي برز بعد مقتل صالح، فهو الوضع المفترض للنجل الأكبر لصالح "أحمد" وموقعه في خريطة الشكل الجديد للحزب، إذ بدأت نغمة جديدة يرتفع صداها ويطالب أصحابها بأن يرث أحمد علي عبدالله صالح موقع أبيه في الحزب، مبررين ذلك بأن "أحمد" سيكون الأقدر على الانتقام لوالده، والنيل من المليشيا، وأن تصعيده لقيادة الحزب هو تعبير عن الوفاء لأبيه، ووحده "أحمد" من سيلتف الناس حوله في سبيل تحقيق الهدفين السابقين، استنادا على سمعة أبيه لدى أنصار المؤتمر في الداخل.
 
وهذا الأمر كان محط جدل داخل تيار المؤتمر الشعبي العام في الرياض، ففي وقت أعلن هادي بأن صفحة صالح طويت، وهو تعبير عام عن كلما يتعلق بالرجل ودوره وعائلته، خرج رئيس الوزراء أحمد عبيد بن دغر وهو النائب الأول لرئيس المؤتمر في الخارج بتصريح صحفي قبل أيام يؤكد أن أحمد هو نجل الشهيد وأحد قيادات المؤتمر الشعبي العام، ونقل عن هادي ترحيبه بأحمد، وعفوه عما مضى.
 
إن عدم صدور موقف واضح من هادي يؤيد ما ذهب إليه بن دغر يشير إلى وجود قناعتين مختلفتين لدى كلا الشخصين تجاه تصورهما لقيادة الحزب في المستقبل، رغم حرصهما المشترك على توحيد الصف المؤتمري.
 
من شأن تولي أحمد أن يؤثر كثيرا على وضع الرئيس هادي في قيادة الدولة والحزب، إذ إن التيار المؤيد لنجل صالح، لديه أجندات مختلفة عن تلك التي يحملها هادي، وهي أجندة تستمد تغذيتها من العداء للشرعية نفسها، وتنظر للوضع العام من منطلق الرؤية التي حملها صالح طوال الأربع سنوات الماضية تجاه اليمن والمنطقة، وأبرزها العداء للشرعية، وللوضع الجديد الذي تشكل عقب الانتفاضة على صالح في العام 2011م.
 
اقرأ أيضا: حزب المؤتمر الشعبي العام .. من السلطة الى المعارضة والضمور (الحلقة الثانية)
 
يعتقد أنصار "أحمد أن الدفع به إلى قيادة الحزب، سيكون الطريق المختصر لرفع العقوبات الأممية التي تكبله منذ أربع سنوات، بما يمكنه من لعب دور قادم، كما يعتقدون أن توليه لرئاسة الحزب سيجعل الطريق أمامه سهلا للوصول إلى كرسي الحكم وخلافة أبيه من جديد.
 
وهذا الاعتقاد الذي يستند إلى انفعالات فقط، سيصطدم بالعديد من التحديات والعوائق، أولها الحاجة الماسة لبقاء هادي كرمز وقائد للشرعية تحتشد خلفه كل الأحزاب والمكونات المؤمنة بالشرعية، إضافة لدول التحالف العربي، وثانيها وجود الضوابط التي تضبط إيقاع المشهد العام في اليمن، والمتمثلة بالمبادرة الخليجية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، والقرارات الأممية، وبالنسبة للقرارات بشكل خاص، إضافة للعقوبات لا يمكن تجاوزها، إلا إذا انتهت الأسباب التي استدعت إصدارها، كما هي العادة في هذا الجانب.
 
وفي كل الأحوال فإن التشتت القائم في وضع المؤتمر الشعبي العام وأزمة القيادة التي يعاني منها، ستؤثر كثيرا على مكانته ووضعه، وما لم يسارع المؤتمريون لضبط هذا الوضع، فسيكون الحزب أمام حالة من التلاشي والتشتت، وستؤثر عليه الاستقطابات الخارجية، الأمر الذي سينقص من فاعليته وتأثيره، وقد يتحول إلى كينونات صغيرة.
 
وفي حال توحد الصف المؤتمري خلف قيادة واحدة خارج اليمن، سواء وراء هادي، أو نجل صالح، فسيكون الحزب قد حافظ على رأسه من الصداع والتصدع، لكنه أيضا سيكون بدون أي قاعدة جماهيرية مؤثرة شعبيا، في حال لم تتحرر اليمن من مليشيا الحوثي، فالقاعدة الحالية للمؤتمر البعيدة عن سلطة المليشيا تتواجد في المحافظات المحررة، ممثلة بمحافظات الجنوب ومأرب وأجزاء من تعز والجوف، ولها وضعها الخاص.
 
وإذا ما عدنا لطبيعة الواقع في تلك المحافظات والمناطق، يتبين وجود قراءة مختلفة، فالقيادات والقواعد المؤتمرية في مدن الجنوب، يدين أغلبها بالولاء للرئيس هادي، وأعلنت في السابق قطع علاقتها مع حزب المؤتمر في صنعاء، كما أن القيادات التي تحكم اليوم غالبية محافظات الجنوب، لا تنتمي لحزب المؤتمر الشعبي العام حتى تستطيع أن تقود وتؤثر في الشارع، كما كان وضعها سابقا، وأثر بروز الحركات الجديدة التي تطالب بالانفصال وهيمنتها على المشهد في الجنوب كالمجلس الانتقالي إلى الحد من نفوذ الشخصيات المؤتمرية والقاعدة الجماهيرية التي تتبعها.
 
وبالنسبة للوضع في مارب والجوف وتعز فهذه المدن تعيش حالة حرب متواصلة، والأولوية فيها، ستذهب لصالح التماسك والتصدي للحرب، أكثر من النزاع السياسي، والمحاصصة الحزبية، والصراع الحزبي.
 
أبرز السيناريوهات
 
السيناريو الأول يتعلق بحزب المؤتمر الشعبي العام في المناطق التي تسيطر عليها مليشيا الحوثي، فوضع الحزب هناك سيتم إنتاجه بما يخدم الجماعة الحوثية، والتي ستعيد إنتاج الحزب، بما يجعله حيا، مشلول الجسد، وحتى لو كان الحزب يشعر بالتذمر من تواجد المليشيا ويحقد عليها، فسيظل غير قادر على مواجهتها، ما لم تندلع معركة عسكرية تنال من المليشيا في الأطراف، وتنتفض تلك الشخصيات لمساندتها من الداخل.
 
السيناريو الثاني يتعلق بإعادة ترتيب الحزب في الخارج، وربما تذهب الترتيبات هنا في الاحتشاد خلف الرئيس عبدربه منصور هادي، وإدخال قيادات مؤتمرية جديدة من تلك التي فرت عقب مقتل صالح في هيكل الحزب وأطره المختلفة، بما فيهم نجل صالح (أو بدونه) وسيقدم هذا الحزب بقيادة جديدة، لكن من دون قاعدة شعبية جماهيرية، كما أسلفنا.
 
وهذا السيناريو يبدو الأكثر واقعية، فوجود هادي على رأس الدولة، يمنح الحزب فرصة جديدة للتماسك، ووجود قيادات الدولة داخل السعودية وفي مكان واحد، يمنحها أيضا بقعة جغرافية تستطيع من خلالها التحرك والتواصل والتنسيق.
 
السيناريو الثالث يتعلق بنجل صالح، وسيكون أمامه خيارين، إما الاندماج تحت قيادة الرئيس هادي (السياسية) داخل الحزب أو (العسكرية) في إطار الجيش الوطني، أو أنه سيفضل عدم الدخول في أي دور سياسي أو عسكري قادم، إما بسبب العزوف، أو التريث حتى تنفض المعركة غبارها، أو بانتظار رفع العقوبات عنه.
 
السيناريو الرابع يتعلق بامتناع كثير من القيادات المؤتمرية الاندماج والتوحد خلف الرئيس هادي، وإصرارها على تشكيل كيان حزبي مستقل، وهذا السيناريو ستكون محركاته الأساسية هي عملية الاستقطاب السياسي المدفوعة بدعم خارجي.
 
السيناريو الخامس ربما يكون بقاء الوضع كما هو عليه اليوم، حيث تتبعثر وتتوزع القيادات المؤتمرية في الخارج على أكثر من دولة، ولدى كل طرف منها أجندته الخاصة.
 
وفي مجمل الأحوال، سيصبح حزب المؤتمر الشعبي العام محط تجاذب واهتمام دول التحالف العربي، التي تقدم نفسها اليوم حريصة على بقائه، ولكل دولة فيه خاصة السعودية والإمارات نظرتها الخاصة وأجندتها الخاصة أيضا، سواء تجاه حاضر اليمن أو مستقبله.
 


لمتابعة الموقع على التيلجرام @Almawqeapost