ربيع النار والدم
الاربعاء, 08 مارس, 2017 - 06:28 صباحاً

يعيد تحريض الرئيس اليمني السابق أنصاره على ملاحقة أعضاء أحد الأحزاب، إلى أجواء الأيام الأولى لما يسمى «الربيع العربي»، وهؤلاء كانوا من حلفائه الأقربين قبل أن يصبحوا ألد خصومه. إن هذا التحريض على الفوضى يعزز اليقين بأن ربيع السياسة مناقض تماماً لربيع الطبيعة، كما أن الشرر البرتقالي الطالع من المقذوفات مختلف كلية عن بهجة الأزهار الفواحة بالعطر والمبللة بالندى.
 
ليست هذه استهلالة باكية على الأنظمة، ولا على الحكام الذين استهدفهم «الربيع» الذي تلظى بالنار، لأنهم وحدهم أوصلوا بلدانهم إلى هذا المآل. وقد اختار بعضهم اختصار الطريق معترفاً - بالإفصاح أو بالإضمار- بأخطائه، وآخرون دهستهم فورة الغضب، وبقي آخرون في مواقعهم يقاومون.
 
أفصح زين العابدين بن علي حين اعترف بأنه لم يفهم شعبه طوال ثلاث وعشرين سنة في رئاسة الدولة وستة شهور على رأس الحكومة، وسنوات مديدة في وزارة الداخلية يحصي الأنفاس، ويتسلل من المسام إلى الأعصاب والدماغ. وأضمر حسني مبارك عندما طالب في خطب تكررت أن يمهله شعبه حتى يكمل ستة أشهر بقية من ولايته، ولم يثنه غير إصرار الشعب، ورجاحة عقل المؤسسة العسكرية. وقضى معمر القذافي في حادث تخلت فيه الأخلاق عن السياسة ولم تعترف بالثورة. وتعقد الوضع في سوريا بتعدد فصائل المعارضة واختلافها إلى حد الاقتتال، ثم بضياع الحدود والفواصل بين الطوائف، صراعاتها وتحالفاتها، وبالتعاون والتضاد بين الدول العظمى والصغرى في تعريفها للإرهاب، محصوراً عند «داعش» والقاعدة، أو شاملاً كل من يعارض بالسلاح، وليس بالكلمة مهما بلغت قسوتها، وبالعصيان مهما اشتد غضبه. وفي اليمن كانت الحيلة وسيلة لاستمرار حمام الدم.
 
والحق - ويجب أن نتذكر- أن الثورة في تونس كانت سلمية، وأنها في مصر لم ترفع السلاح، وأنهم في اليمن واجهوا الرصاص بلا دروع ولا خوذات. والأمر لم يكن كذلك في سوريا وليبيا.
 
إذاً، فليست استهلالة للبكاء على أنظمة أنهكت شعوبها، وأسفاً عن حكام عاثوا ولاثوا، وإنما هي ابتداء من الثورات المغدورة كي يتيسر الوصول إلى ما بعدها، وإلى ما بعد البعد. والثورة المغدورة تعبير لتروتسكي وضعه عنوان كتاب يتهم فيه ستالين بغدر الثورة البلشفية. وأياً كان الموقف الحائر بين العملاقين فإن صفة الغدر تقفز إلى ذهن الناظر إلى الأقل شأناً في السياسة، والأشد بؤساً في الثقافة، عندما يمسكون في أيديهم مقاليد الشعوب.
 
وما زلت عند الاستهلالة، وإنما لأتبين أن الغدر هنا لم ينفجر من النبع، بل من تفصد الجرح. فقد اتهم تروتسكي رفيقه في الحزب الشيوعي السوفييتي، بينما جاء الغدر في اليمن من علي صالح نفسه مع الاعتذار عن مشابهة تنطوي على مجازفة تلوي عنق التاريخ، وتتجرأ على الأنثروبولوجيا بافتراض التماثل بين سليل القياصرة، وضابط مغمور. والواجب أن نعترف بأن هذا الأخير استطاع بالخديعة أن يضحك على القوى السياسية في بلده، وعلى الدول المحيطة بالإقليم كي ينجو برأسه وبجلده، ثم يعود جباراً وبطاشاً.
 
ولا شك في أنه بنى حساباته على تقدير حرصهم على استقرار اليمن وعلى أمنه وسلامته.
 
مرة ثانية تشدني سيرة تروتسكي التي كتبها اسحاق دويتشر في المجلدات الثلاثة، «النبي الأعزل»، و«النبي المسلح» و«النبي المنبوذ» - وهو كتب سيرة ستالين أيضاً - التي تكشف براغماتية ستالين ونجاحه في استثمار إخلاص منافسه للحزب الشيوعي وللاتحاد السوفييتي.
 
ما علاقة هذا بالجاري في اليمن؟
 
فكرة الخديعة، الغدر، وسوء النية من طرف، وسلامتها من الجانب الآخر، لكن سيئ النية في موسكو كان يحمل إرادة جبارة لبناء أمة عظيمة، استطاعها في التصنيع الثقيل وفي الانتصار الأسطوري في الحرب الثانية، وأما سيئ النية في صنعاء فقد كان واقعاً في الحبائل والمكائد.
 
لكن قد يقول قائل هل تستحق هذه المقارنات بين بنائين في التاريخ ورجال عاديين من أجل الإلماح إلى تكتيكات صغيرة. وأقول بتعدد الأسباب؟
 
أولاً: إن المفارقة في التاريخ ترسم طول المسافة بين نبل المقصد وسوء الطوية، وإن استخدمت الحيل التكتيكات نفسها.
 
ثانياً: إن بين العظمة والضآلة تتجلى الفوارق في التضحيات ببني الإنسان. وقد دفع الاتحاد السوفييتي 27 مليوناً من الضحايا في الحرب الثانية، وليس معروفاً عدد ضحايا الحروب الداخلية في اليمن منذ 1978.
 
وثالثاً: فهذه تضع الرئيس السابق في مقارنة - وليس في مقام - رجال في التاريخ تشبع فيه غرائز اكبر مما أعطاه المال والنفوذ.
 
وما زلت في الاستهلالة، وقد أخذت مني صلب الموضوع وعقبته. لكني أمسك منها بقية وأتساءل هل يجوز لمن يدعي القبض على السلطة مع شركائه أن يدعو أنصاره إلى البطش بالناس؟
 
وهل يكون رئيس الدولة لثلث قرن داعياً لحكم الغاب؟ وأليس هذا اعترافاً بطريقة سار عليها في الحكم في ماضيه الطويل؟
 
للناس أن يروا ويتأملوا، لكن عليهم أن يتوقفوا أمام ما يفعله حلفاؤه، أعداؤه السابقون.
 
إنهم يعتدون على موظف أممي وذلك فعلته العصابات الصهيونية في 1948. وهم يهجرون الناس من منازلهم ويهدمونها حجراً حجر وذلك تفعله «إسرائيل». وهم لا يلتزمون باتفاقيات الهدنة وذلك تفعله «إسرائيل». وهم يرعون تجارة المخدرات والسلاح. والشيء الوحيد الذي لا تفعله «إسرائيل» أنهم يمنعون المساعدات الإنسانية عن الأطفال الضامرين في فم الموت ويسوقون الأطفال إلى الموت في جبهات القتال.
 
ذلك يدعو إلى القول إن الربيع كان لازماً لاجتثاث هذا السخام ولو أنه تحول إلى حمم من النار والدم فسوف تتهادى العواصف ويعود السلام.

نقلا عن الخليج الاماراتية

التعليقات