صفحات سوداء من تاريخ الصراع في اليمن
الاربعاء, 15 مارس, 2017 - 12:14 مساءً

ليس هناك أشد فتكا وأعمق جراحات وانكى آلاماً من الفتن الداخلية و الحروب العبثية والصرعات العسكرية على السلطة و النفود داخل الاوطان و أكثرها كارثية هي تلك التي تمتطي المقدس، و توظف الدين لأغراضها الذاتية و اطماعها الماكرة في السلطة والثروة والحكم.
 
ثمة مشهد متكرر في تاريخ الصراعات في اليمن رافق مسيرة ألف عام ونيف من تاريخ البؤس ومتوالية الاحتراب ومعزوفة المنافسة بحد السيف على السلطة والثروة، كمفردتين دفع اليمنيون من اجليهما اثمانا باهظة من دمائهم وأموالهم وتوقف مسيرتهم الحضارية عن ركب العالم وتقدم البشرية.
 
لنأخذ فترة من فترات القتامة والركود والتي تؤرخ لثلاثين عاما من الصراع بوفاة (المهدي) محمد بن أحمد صاحب المواهب صفة الامامة، وخلصت السلطة لابن أخيه القاسم بن أحمد الذي تلقب (بالمتوكل)، واتخذ من صنعاء عاصمة له ولأعقابه من بعده.
 
و قد اجمع الكثيرون أن لم نقل توافق الجميع أنه كان ظلومأ غشوما اسرف في القتل و بالغ في التنكيل و لم يرعي في مؤمن إلا ولا ذمة، ولا في قريب رحمة أو رحم، فقد قتل رئيس حاشد و بكيل حينها (أبن حبيش) في بيته و على مرأى  و مسمع من ابناء قبيلته الذي خذلوه و لم يجرأ  أحد على مناصرته  ورد الجور عنه.
 
ثم نكل بال القاسم و استولى على ما تحت أيديهم من الإقطاعيات و الزمهم بدفع الزكوات و ضيق عليهم، و ما لبث ان أدعى اثنان من ابناء عمومته الإمامة و فشلا ، و كلاهما تلقبوا ب (المؤيد) أحدهما يدعى الحسن بن القاسم بايعه أهل شهارة و ما جاورها في العام 1131ه  و الآخر محمد بن إسحاق أعلن من أرحب  نفسه إماما في 1136ه ثم تنازل مقابل الفين قرش من عائدات ميناء المخا الذي اجتاحه آنذاك الفرنسيون  وفتكوا  بالكثير من ابنائه العزل و اقتطاع بلاد الروس ضمن صفقة التنازل تلك.
 
و في استعراض لسباق الخيل ذات يوم من عام 1138ه و بحضور المتوكل مالت الخيل، فأفزعت القبائل المشجعة للسباق فأطلق أحد أبناء قبيلة أرحب طلقة و احدة   ليصرفها عن جموع الناس فطاشت لتردي أحد جنود الطاغية قتيلا و الذي أمر على الفور بقتل مائة من ابناء أرحب و أسر ستمائة آخرين مقابل جند واحد قتل بالخطاء و تحكم الشريعة في مثله بدية واحدة ليس الا.
 
وظل الصراع على السلطة و الثروة و النفود هو المتحكم بمسار الأحداث و المسيطر على تلك اللحظة الزمنية الكئيبة من تاريخ اليمنيين، حتى وصل إلى البيت الإمامي ذاته، و انفجر بين المتوكل الأب  وابنه (الحسين)  عامله على عمران، و الذي استغل سخط القبائل الغاضبة على أبيه، و قاد جموعهم نحو اجتياح العاصمة صنعاء، و التقى الجمعان و لم يظفر أحدهما بنصر محقق، اوعز  الأب للعلامة ابن الأمير الصنعاني  لقيادة مصالحة أفضت إلى دخول الابن  للمدينة البائسة المنكوبة، و ابوه على سرير الموت يعالج النزع  الأخير، ولم يعرأمر وفاة والده من الاهتمام شيء يذكر.
 
وكان من نتائج تلك الوفاة أن أعلن يوسف ابن المتوكل اسماعيل نفسه إماما من قلب العاصمة صنعاء، ومن حصن ظفار جدد محمد بن إسحاق دعوته لنفسه و تلقب بـ(الناصر)، و لم يمر اسبوع حتى دخل في سباق الدعوة للإمامة الحسين ابن الإمام المتوفى الاتي من عمران بالخروج على أبيه إماما ثالثا، و تلقب بـ (المنصور)، و دارت متوالية الصراع حتى رجحت كفته اي (الناصر) محمد بن اسحاق و سيطر أقاربه بقوة السلاح على كل نواحي اليمن عدى تعز.
 
ناصر الشيخ علي بن قاسم الأحمر شيخ حاشد الإمام الناصر على الرغم من الصداقة التي كانت تجمعه ب المنصور و الذي استدعاه للتشاور، و غدر به وارداه  قتيلا على ربوة  عصر المطلة على العاصمة صنعاء، و قد أثر على المنصور ذلك الفعل الغادر، و الب عليه قبائل حاشد و بكيل، و رجحت كفت الناصر و دخل المنصور في بيعة الناصر، و اشترط لنفسه صنعاء و ما حولها، فكان له ما أراد لكنه اضمر الغدر والخروج على  الناصر.
 
جدد المنصور دعوته متجاوزا الصلح الذي لم يدم طويلا و هزم  الناصر شر هزيمة، و اودا به المهالك، وبالغ بالتنكيل باسرته، و أقاربه حتى استسلم مرغما، و قد ساعد بقاء اخ المنصور على تعز على تعزيز ذلك الانتصار، و كان أحد أسبابه الرئيسية.
 
المنصور كان حاقد كارها لسكان صنعاء لأنهم كانوا يتهمونه بعقوق والده، فتفنن في إذلالهم وبالغ في النقمة عليهم و استباح منازلهم و أموالهم و الزمهم بالخروج منها لإيواء القبائل و من ما أجمعت عليه المصادر التاريخية انه كان ظالما غشوما متعديا، مذلا لسكان المناطق الشافعية المذهب و هو ما ألمح له العالم الجليل ابن الأمير الصنعاني بقصائد و مكاتبات شهيرة و الذي تعرض لمحاولات اغتيال متعددة على خلفية دعواته للثورة على الظلم و مقارعة الاستبداد و منع من الخطابة و الإرشاد.
 
وكان لسياسة الاستبداد والفساد والظلم للمنصور تبعاتها الكارثية على سلطته، و بدأت البلاد تنتفض و تتناقض من أطرافها و تكونت حينها سلطنات صغيرة في الجنوب و صلت إلى حدود 22 إمارة و مشيخة.
 
و من شهارة جدد الحسن ابن القاسم دعوته للإمامة، و تلقب ب الهادي و استولى على حراز  و ما جوارها  إلا أن المنية عاجلته فاستراح المنصور منه إلا أن الضربة الموجعة جاءته في العام ذاته من أقرب الناس إليه أخيه احمد الذي انفصل بتعز و الحجرية، و دارت بينهم حروب و معارك كانت تلك المناطق مسرح عملياتها قتل فيها خلق كثير و دفع سكانها المسالمون ثمنا باهضا من دمائهم و اموالهم و اروح شبابهم لذلك الصراع الدموي المرير الذي لا ناقة لهم فيه و لا جمل و بعد وساطات مضنية و شاقة لثلة من العلماء و الوجهات توقف الصراع ليبقى لأحمد ما هو تحت يده و يدخل في ولاية أخيه  و لم يمضي من الزمن اليسير حتى تجدد الصراع و اشتد اواره.
 
توفى المنصور في العام لتبدأ مرحلة قاسية و شديدة من الصراع و بوتيرة عالية بين (المهدي) عباس الإمام الجديد و عمه احمد، وقد سعى العلامة ابن الأمير الصنعاني لتلطيف الأجواء و نزع فتيل الفتن إلا أن الخلاف ظل قائما حتى وفاة العم بمدينة تعز و هم من عرفوا فيما بعد ببيت الباشا.
 
تلك هي حقبة ثلاثين عاما من التاريخ اليمني المتشابه في أحداثه وصراعاته  والمتحد في نتائجه الكارثية على اليمن و اليمنيين لألف عام خلت ونيف من عمر الزمن، عطلت ملكات اليمنيين و قدراتهم و عطاءتهم في صناعة الحضارة و كتابة المجد في سفر التاريخ المجيد لليمن السعيد.
 
 

التعليقات