الصراع في اليمن... والسر في سلطنة عمان
الاربعاء, 10 مايو, 2017 - 09:52 صباحاً

كل الذين خرجوا والتحقوا وقادوا الحركات الثورية والتغيرية في الشمال والجنوب بدءاً بثورتي 26سبتمبر ضد الامامة و14 أكتوبر ضد الاستعمار مروراً بثورة الشباب السلمية وانتهاءً بالحرب التي تدور رحاها اليوم على سفوح اليمن ووديانه والسواحل والسهول لاستعادة الدولة، كان حلمهم الأسمى ومطلبهم الحقيقي هو التحرر من قيود الذل والعبودية والعيش في ظل دولة يمنية وطنية عادلة وحاضنة للكل ومحققة لرغبة الجميع.
 
المواطن اليمني اليوم  يراقب عن كثب ويتابع كل ما يدور حوله ويشاهد التطور الاقتصادي والعمراني  والتعليمي ومبادئ والعدل والمساواة واستقرار الأمن الذي أصاب الدول المجاورة لبلده من حوله ويشعر بالحزن وقت الصفاء وغربة في الوطن وبالظلم الذي يطاله وهو يرى حالة الاستقرار والعدالة والأمن الذي ينعم به الآخرون فيما بلده تهدمه معاول الأطماع السياسية والحروب الضروس.
 
فيزداد إحساسه بالخيبة وفقدان الأمل بالقيادات الحاكمة التي وإن لم تكن قد أخلصت في تمثيلها له وعملت على تحقيق أحلامه، فإنها قد قصرت فعلاً وتاهت في الصراعات البينية والبرجماتية وتناست جموع الشعب الهادرة وراءهم والحاملين لصورهم وأعلام الوطن وشعاراته وتطلعاته من صعدة الضحية التاريخية شمالاً إلى حضرموت المظلومية المعاصرة ومن مأرب التاريخ المغيّب إلى تعز الوهج الثوري الذي لم ينطفئ. 
 
وهنا لن نذهب بعيداً إلى قلب أوروبا أو الشرق الأسيوي للمقارنة بين اليمن ودولة من دولها بل مع جارة يجمعنا بها حدود البحر واليابسة وتسكنها قبائل من أصول يمنية وقادتها كذلك، إذ تعتبر عمان تاريخا امتدادًا سكانيًا لليمن بحسب الهجرات التي شهدتها بعد انهيار سد مأرب، ومن ثمَّ توالي الهجرات الى المناطق المختلفة ومن ضمنها عُمان ولذلك تعتبر عُمان أولى الاراضي التي وطأها اليمنيون وانتهت إلى قبائل الهناوية نسبة للهناويين والغفارية نسبة الغافريين، إنها عُمان السلطنة والسلطان التي صارت حديث الناس في الاستقرار والرفاهية والأمن والتطور المختلف الجوانب، بينما اليمن اليوم حديث الاخباريات الفضائية على مدار الساعة في الحروب والصراعات الدائمة.
 
لقد قرأت حتى الثمالة عن سلطنة عمان الشقيقة الجارة الشرقية والمحادة لليمن والتي يقودها السلطان قابوس بن سعيد العماني الذي ينحدر من أصول يمنية من قبيلة الأزد، فوجدت العجب العجاب والذي لا يتصوره كثير من العرب والأجانب، ويتمثل في تنوع تركيبة المجتمع العماني العرقية، والاثنية، واللغوية، والمذهبية، والدينية، والبُنى الداخلية المختلفة للمجتمع العماني وهو ما يشكل لوحة فنية الأنساق والاتساق لدولة خليجية رائعة تجاوزت عقد الاختلافات وقفزت إلى مصاف الدولة المتقدمة في فترة زمنية قياسية ناهيك عن غبش الحياد السياسي الذي تنتهجه السلطنة.
 
تركيبة عُمان الديموغرافية تُظهر تنوع عرقي كبير يتكون من عرب وبلوش وهنود وفرس وأفارقه وزنجباريين، وتعدد مذهبي شيعه واباضية وسنة ومرجئة ومعتزلة، وتعدد ديني اسلام وهندوسية، ورغم هذا التعدد المتشعب ظلت عمان محافظة على تعدديتها الدينية والعرقية والمذهبية بعيداً عن أي صراعات تذكر بل انصهرت أكبر مكوناتها الأجنبية وهم البلوش واللواتية في المجتمع العماني وصاروا من أخلص المكونات للسلطنة حكومةً وشعباً، ولا تنطلق طرائق تفكيرهم السياسي ونظرتهم المغايرة من خلفيات مذهبية او دينية أو عرقية بل عمانية خالصة.
 
وإذا ما جئنا إلى اليمن لنقرأها من خلال التجربة العمانية، سنجد أن اليمن عرقه واحد عرب أقحاح ولغته العربية واحدة ومذاهبه اثنان زيدي وشافعي لا خلاف بينهما، وقلة قليلة من الاسماعيلية وبقايا أعراق من الفرس والأحباش والأتراك لا تشكل أي ثقل في المجتمع اليمني بل ذابت وتماهت فيه حتى تخلت عن أي نزعة تجاه أعراقها أو دعوة بحق أو باطل تأتي بالمخالفة مع ما يحلم به ويتطلع اليه الشعب اليمني الرابض على كل جغرافيته الواسعة باستثناء سلالة الهاشمية السياسية. 
 
المجتمع اليمني وبرغم تجانسه العرقي وتوحده اللغوي والتاريخي والديني إلا أنه لم يجد العطف من حكامه اليمنيين أبناء العمومة والدم والعرق والنسب، أو العدل من القادمين من وراء حدوده حملة راية الدين زيفا ودعاوى الحق الإلهي في الحكم، فكانت سبباً وحيداً لصراعاته التاريخية المستمرة حتى اليوم لأنها اتكأت على قروية التفكير وسلالية الدعوى وطائفية المنطق، وتدفعها محركات ونوازع ضخمة من هوى التسلط والنفوذ والاستحواذ في غياب دولة وطنية عادلة، فدفعت بالمجتمع اليمني سقوطاً في منحدر من الصراعات التي جعلت من حياة اليمنيين مأساة حياة وقصة ألم في شماله وجنوبه، أطراف صراع مفرغة الحس الوطني والشعور بأهمية توحد الهوية اليمنية وارتهنت لقوى الخارج لتحقق طموحاتها السياسية المتقاطعة مع اهداف تلك القوى والدول، فما هو السر إذاً؟
 
إن السِّرَ في هذه المقاربة بين اليمن وعُمان بالنسبة لعُمان يكمن   في قيادة سلطانها قابوس وسياسته الذكية المحايدة التي لم تقفز يوما على مصالح الشعب العماني في إدارة علاقاته الخارجية الحامية لمصالحه الاقتصادية أو تتغافل عن ضرورات أمنه واستقراره حيث استطاع منذ توليه الحكم في 1970م أن يخلق استقراراً سياسياً وأمنياً واقتصادياً لدرجة أنه قلما نسمع في نشرات الاخبار العالمية أو نقرأ في تراويس الصحف العربية عن عمان إلا ما كان إيجابياً  كسعيها للصلح بين أطراف متصارعة مثل اليمن أو توسط لحل قضية بين دولٍ متنازعة مثل إيران وأمريكا في خلافاتهم المتكررة أو استيعابه لرؤوس القوى اليمنية المتطاحنة الملتجئة إليها.
 
أما اليمن فسِّرُها في حكامها الذين زرعوا بذور صراعات وحروب طغت على ساحاتها وانتجت ظواهر التفكك والفقر والعوز منذ زمنها القديم المتجدد، حيث لم يسكن في مخيال حكامها مصالح الشعب يوماً ولا تزال مطاحناً للحرب الدائرة حتى يومنا هذا، لأنها لم تجد قابوسا آخرا يحمل فكر بناء الدولة العادلة المستجيبة لدعوات المواطن البسيط الذي لا يرجو سوى الاستقرار والأمن والخدمات الضرورية وجواز سفر يمثل هويته يعبر به حدود الدول بعزة واحترام دون مساءلة في مطار أو توقف في مَعبرٍ ما من معابر الحدود الدولية.
 

التعليقات