الموقع بوست
عامر الدميني

عامر الدميني

الفن يوحد اليمنيين

الخميس, 10 أغسطس, 2017 04:24:00 مساءً

واحدية الثقافة والشعر الغنائي بين الشمال والجنوب في اليمن مثلت أبرز عوامل التلاحم الجماهيري الوحدوي بين الشعب اليمني قبل الوحدة، ووحدت الناس نفسيا وشعوريا بشكل كبير.
 
غنى المرشدي قصائد للشاعر أحمد الجابري أغنية عالم سيري، وغنى أيوب طارش قصائد لراشد محمد ثابت كأغنية يا حاملات الشريم.
 
وغنت أمل كعدل قصائد من كلمات سلطان الصريمي، كأغنية يا اماه ابي باعني، ووجد اللحن الصنعاني طريقه للتجديد على يد محمد سعد عبدالله، وأجاده أيضا ابوبكر سالم بعد أن كان لونا محصورا على فنانين في صنعاء بشكل كبير، والأمثلة هنا كثيرة، لعل أبرزها أغنية وامغرد بوادي الدور للقاضي علي بن محمد العنسي، التي غناها ابوبكر سالم، وأغنية يقرب الله للفنان محمد سعد، وكمات عبدالرحمن بن يحي الانسي، ومن أبرز أغاني الفلكلور الصنعاني التي غناها ابوبكر سالم أغنية وامعلق بحبل الحب، من كلمات علي بن أحمد بن إسحاق حفيد الإمام محمد بن إسحاق.
 
أغان كثيرة تداولها فنانون من الشمال والجنوب لتؤكد بأن الفن كان النسيج الذي جمع اليمنيين وأذاب الحدود والجغرافيا تأريخيا بينهم، كأغنية صادت فؤادي من كلمات شرف الدين في صنعاء، وغناها فيصل علوي، وعبدالرحمن الحداد، وأحمد فتحي ومحمد مرشد ناجي وفؤاد الكبسي وغيرهم.
 
وكذلك أغنية يا مكحل عيوني بالسهر، من كلمات محمد شرف الدين الكوكباني، ولحنها تراثي صنعاني، وغناها محمد مرشد ناجي، وعوض المسلمي (الأعمى) وفيصل علوي، وفؤاد الكبسي.
 
ومنها ايضا اغنية يا بروحي من الغيد من كلمات احمد بن شرف الدين القاره، وهي تجسد اللحن الصنعاني الجميل، وغناها محمد سعد عبدالله، وايوب طارش، وعلي الانسي، وفيصل علوي.
 
وهناك العشرات من الاغاني القادمة من عدن، أو تلك التي ظهرت في صنعاء، وغناها فنانون مشتركون، وحدهم الفن واللحن، وجمعتهم الثقافة والوتر، ويكفي للتدليل هنا إن النشيد الوطني الحالي للجمهورية اليمنية، من كلمات شاعر تعز عبدالله عبدالوهاب، وغناء ايوب طارش، وتم اختياره في الثمانينات كنشيد وطني لدولة الجنوب، ثم أختير لاحقا ليكون نشيدا لدولة الوحدة.
 
وهناك العديد من الفنانين في الشمال عاشوا لفترات طويلة في عدن، ونبغت مواهبهم الفنية هناك، كأيوب طارش، وعلي الانسي وغيرهم، مع التأكيد ايضا على وجود فنانون احتضنتهم صنعاء وتعز، وتنقلوا بين أماكن اليمن بكل سلاسة وأريحية.
 
وبالمثل هناك اغاني وطنية لفنانون من مختلف مناطق اليمن تغنوا فيها باليمن عموما، دون تمييز، ما يؤكد أن الفن اليمني في مجمله واحدا مهما سعى البعض لمحاولة فصله عن بعض، او تجييره لمنطقة دون أخرى.
 
كل هذه الشواهد تبعثها ما يجري اليوم من تصعيد للكراهية والتحريض بين ابناء البلد الواحد داخل اليمن وخارجه، وهو ما أحيته السياسة بنزعتها المقيتة، ومصالحها المتقاطعة، والتي عمقت الشرخ اجتماعيا كلما اتجهنا نحو المستقبل، والحديث هنا عن الشعر الغنائي كلون من ألوان الثقافة بين الشمال والجنوب، أما الحديث عن مظاهر التوحد الأخرى بين الشمال والجنوب كالثقافة، والشعر والصحافة والسياسة، فهي كثيرة.
 
يستطيع الفن من جديد أن يوحد اليمنيين، وأن يقضي على نوازع الكراهية والتحريض والمناطقية، وأن يخفف من حدة الاحتقان النفسي والاجتماعي المتولد في النفوس.
 
لكن ذلك مرتبط بإدارة تحترم هذا النوع من الوسائل، وإرادة تعمل على ذلك بجدية وتجرد، وكالعادة للمناخ السياسي تأثيره على الفن، وهو من يتحكم به، ويجعله في الصدارة أو يغيبه تماما.
 
بمناسبة الحديث عن الغناء، منذ العام تسعين بعد تحقق الوحدة اليمنية، توقفت مسيرة الفن اليمني عن الابداع وتقديم وجوه جديدة، تحمل مضمونا حيا ومتجددا لمسيرة الفن في اليمن، ولم يبقى سوى محاولات تجتر الماضي، وتحاول إعادة انتاجه، وتقديمه من جديد.
 
في كلا الاحوال، يبدو الحديث عن الغناء في زمن الحرب نوع من الترف، والذهاب في وجهة أخرى بعيدة عن الواقع الراهن الذي تعيشه اليمن، وتلك ايضا مصيبة أخرى.