الموقع بوست
وسام محمد

وسام محمد

ماذا تبقى من فكرة السياسة؟!

السبت, 12 أغسطس, 2017 10:35:00 مساءً

اختبر مواطنو هذا البلد خلال عامين ونصف – وهي فترة الحرب المستمرة - كل أنواع الحقارات. أما السياسيين فقد خاضوا خلال نفس الفترة كل تجارب الخسة والانحطاط، عاشروا التفاهة وأدمنوا العجز.
 
ما هي الحرب إذا لم تكن سياسة تدار بطرق وآليات معقدة؟
 
لماذا المجتمع لا يزال خارج اهتمام السياسيين وهم من يدعون العمل لأجله؟
 
أعرف أن هذا هو المتوقع طوال الوقت، طالما أن ارتباط السياسيين بالمجتمع يبقى متعلق بتلك النقطة، أي عندما يكون قد حان الوقت لتحويل تضحيات البسطاء إلى مكاسب وأرصدة خاصة، لكن ما يجعلني أتساءل هو أننا نعيش ظروف استثنائية، أما التوقع الطبيعي، فهو أن منعدمي الأخلاق - في مثل هذه الظروف - يصبح لديهم أخلاق، منعدمو الإنسانية يصبح لديهم إنسانية طارئة على الأقل.
 
غالبية أبناء الشعب يعانون، ينتحرون، ويحدقون بدأب نحو بوابة الجنون. أصبحنا نعيش هذا الواقع وندرك تفاصيله، لكن بالمقابل حتى الآن، لا يبدو أنه لدينا فكرة عن تلك الطينة الجهنمية التي كانت قد شكلت سياسي هذا البلد.
 
فشل السياسيون في وقف هذه الحرب، ثم فشلوا في إدارتها، ومن الطبيعي ألا يحققوا نصرا يرتقي إلى مستوى التضحيات التي قدمت حتى الآن.
 
ماذا تبقى إذن؟ ما الذي تبقى ليستند إليه أبناء الشعب البسطاء؟
 
لتعرفوا أي انحطاط وصل إليه من يشتغلون في السياسة سواء في الداخل أو الخارج، فقط ما عليكم سوى تتبع ما يجري منذ عام من صراع حول ملف الإغاثة. أي تهافت مخزي يجري بينما الناس تموت جوعا!
 
غالبا ما يكون حصول الناس على المعونات الاغاثية في أوقات الحروب مرتبط بالصدفة المحضة. حتى من يحصلون على الإغاثة ويضطرون لقبولها لا يمكنهم الشعور بالأمان، بينما الشعور بالمهانة يتعزز لديهم في كل مرة يشعرون أن كل الأبواب قد أوصدت في وجوههم ولم يتبقى سوى باب الشحت. الأمر أشبه بأكل "الجيفة" بالنسبة للمضطر. لكن أحزابنا المبجلة، هذه الأحزاب التي لم تعرف واجبها في أي مرحلة تاريخية، تتصارع من أجل الاستئثار بتلك "الجيفة"، يحاربون الناس ويقطعون عليهم طريق الصدفة اللعينة التي قد لا تأتي.
 
ما هو الأهم يا ترى؟
 
لماذا تحشر الأحزاب نفسها في تلك القضايا الثانوية، وتغيب عن القضية الأساسية المتمثلة بمعاناة الناس جراء الحرب، وضرورة حسم المعركة وإنهاء هذه المأساة؟ ما الفكرة أصلا من وجود السياسة؟
 
من المفترض أن نصادف في مثل هذه الظروف الأحزاب وهي تقوم بدور مختلف أكثر مسئولية، من المفترض أنها تساعد المجتمع في إدارة شئونه وبما يفضي للتخفيف من المعاناة، من المفترض أنها لا تدخر أدنى جهد قد يساعد على إنقاذ أسرة أو حتى فرد من المصير الموحش. ماذا تبقى من فكرة السياسة حتى نقول أنها قد سقطت في الوحل؟
 
لا اعتقد أن فكرة السياسة قد سبق لها أن انحدرت من قبل إلى هذا المستوى من الضحالة.
 
لقد تأكد الآن أكثر من أي وقت مضى، أن هذه الأحزاب لا تعرف شيء عن السياسة، ويمكن لقبيلتين متناحرتين في الأزمنة القديمة أن تديران صراعهما بشكل أكثر حضارية.
 
عام كامل ولم تحسم مسألة الإغاثة! أي جحيم هذا قد تكفل بنا؟
 
غالبية المشتغلين بالسياسة في هذه البلاد "منحطين" كما يتأكد طوال الوقت، لا يحضر الناس ببالهم إلا كسلع رخيصة للاستثمار بدمهم أو للاستثمار بإدامة معاناتهم.
 
عن نفسي، لن أنتظر أن يأتي مغفل ليخبرني أن السياسة هي في النهاية لعبة توازنات وحرب مصالح، وأنه علينا التواجد على مقربة لاستكناه ما يمكن أن يشكل طريق الشعب مستقبلا.
 
هذا رد متأخر عن أسئلة قديمة، لأن معارك السياسة في بلادنا تدور بعيدا عن ميدان المعركة الحقيقي، لهذا بينما كانت الأحزاب تتصارع على المحاصصة وتمارس الضغائن بحق بعضها، نبعت لنا جماعة الحوثي لتغير المشهد برمته. الطريقة التي تعمل بها السياسة في بلادنا تصلح لتميع الفرد أكثر مما تعمل على صقله، أما المساحة التي تشغلها، فهي تساوي ما يشغله كوب من الماء في بحر متلاطم. هذا البحر يتشكل من صراع اجتماعي واقتصادي، من ارث تاريخي، من صراع يشترك فيه العالم كله، وتشكل كفاحية الشعب منذ ثورة فبراير 2011 العامل الأبرز في منح هذا الصراع معنى مقبول بالرغم من كل شيء.
 
لهذا أعتقد أننا أصبحنا مجبرين كخطوة أولى على الكفر بالسياسة كما يصورها واقع الحال في بلادنا، الكفر بكل الأحزاب وكل الادعاءات المشابهة. ما يحسب علينا أحزاب سياسية، هي إما تجمعات انتهازية، أو تجمعات لتلك الفئات التي يبدو أنها قررت أن تتفرغ للأوهام، وهناك الممثلون الأذكياء لخسة الصراع الحقيقي المتجسد وغير المرئي في وقت واحد. أي بالمحصلة النهائية، هناك شعب يعاني الآن كل الويلات، ولا يزال يكافح في سبيل الخلاص، وهناك أعداء أما يظهرون على شكل أعداء فعلا، أو في صورة أصدقاء أكثر عدائية. 
 
ويبدو أنه قد تأخر الوقت للخوض بأي تفاصيل تتعلق بما تقوله هذه الأحزاب عن نفسها وما تقوم به حقيقة. هناك هالة من الزيف حان الوقت لإسقاطها مرة والى الأبد، ثم تبيان الطريق بعد ذلك.