مسؤولية الكارثة في اليمن
السبت, 30 سبتمبر, 2017 - 07:20 مساءً

الكارثة التي حلت باليمن ليست بجديدة عليه بل لها أصل ولها عروق وجذور، أصلها الجهل وجذورها الفقر والحروب والعصبية التي أنتجت كل ذلك، فالبذرة هي الأساس إن حسُن بذرها وسقياها بسقت الفروع والأغصان وأينعت الثمر، وإن ساءت البذرة ساء الختام وبرز الفقر وتفشت الحروب.

 الحروب هي التي أورثت الكوارث مختلفة الاتجاهات للأرض والإنسان اليمني والتي جعلت من اليمن ساحة صراع عبر التاريخ، ومناخا للتعصب الأعمى سواء كان المذهبي منه أو العصبوي الطائفي المدمر لكيانات الشعب وهيكلية بناء الدولة ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والتعليمية.

  لقد حاربت الإمامة التعليم وحولت اليمن إلى مزرعة للجهل المتوارث والأميّة المستفحلة، حاربت التعليم الذي تعتبره الشعوب الحيّة المدخل الرئيس لتطور وانتقال أي أمة من طور إلى طور، الجهل الذي مكن السلالة الحوثية من امتطاء ظهور الجهلة غائبي الفكرة عما يجري من حولهم والمغيبين عن حقيقة الصراع المستدام، لأنها -أي السلالة- زرعت في عقولهم خرافات الحق الإلهي في الحكم وخوارق الولاية والولي، وغرست فيهم أحزان وأحقاد أقواماً بائدة اصطرعوا قديماً على الخلافة سواءً كانوا أمويين أو هاشميين علويين أو عباسيين، والتي كانت قديمة قبل الاسلام لكنها توارت أثناء حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأثناء نزول الوحي.

 وما إن اختار الرسول صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى عندما خيره الله وصعدت روحه إلى بارئها، حتى ظهرت مستبطنات كل طرف على السطح، وعاد مجددا الصراع على السيادة، بداية بخلاف سقيفة بني ساعدة، مروراً باختلاف علي وطلحة والزبير رضي الله عنهم أجمعين وانتهاءً بصراع يزيد والحسين وكلهم من قريش وأبناء عمومة عدا الأنصار ولم يصب المسلمين من خلافاتهم إلا القتل والدمار حتى الساعة، ولسنا معنيين كيمنيين بحق أو باطل يتعلق بالمستحق للخلافة لأي طرف من أفخاذ قبيلة قريش لأي دعوة من الدعاوي أو أصل من الأصول.

  وكما هو معلوم أن الجهل أصل وأساس كل الكوارث فإن الفقر أحد مفرزاته، ولهذا فقد تم استغلال أصحاب الحاجة والزج بهم في أتون معارك ونيران تلتهم الجميع دون هوادة ولا تفرق بين الغني أو صاحب المصلحة الآنية الباحث عن لقمة العيش أو صاحب الاستراتيجية الحاملة لكافة الخطوط الموصلة إلى السلطة ومن ثم التسلط على رقاب العباد. 

كما إن رواسب ثقافة الفوضى واللا دولة التي ترسبت في عقول من جاءوا إلى الحكم بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، والفوضى التي استنسخت من سالف الأنظمة، استمرت تموج بسفن حياة اليمنيين الاجتماعية والاقتصادية والقانونية ولم ترسُ على بر حتى اندلاع ثورة 2011م وانبعاث جمهورية اليمن الثانية التي جددت المفهوم وكشفت الحجب وأعادت للثورة الأم لونها وبريقها.

ولأن التاريخ يعيد نفسه كما يُقال، فإن عوائق ثورة السادس والعشرين من سبتمبر كانت لها بالمرصاد والمتمثلة بأناس اعتبروا خروج الحكم من أيديهم انتكاسة للثورة وخروج على مبادئها التي تخامرت في عقولهم وفقاً لمصلحتهم وهوى من شايعهم وساق معهم العامة كي يكونوا مطايا لطغاة العصر الجدد وجلادي ما بعد ثورة أيلول 62م، فعملوا في الشعب مالم يعمله الوشاح سياف الإمام حتى قال فيهم المقالح في إحدى قصائده: " كنا نعاني وشاحاً واحداً فهوى .. وأرهقتنا الوشاحات الطوابير"

فعاد الكثير منهم ينتحب على ضياع الثورة من أيديهم " البقرة الحلوب" بعد أن تآمروا عليها وسهلوا تسليمها لأعدائها غباءً منهم وقصر نظر لمجريات الأحداث، والعمى عن التسابق المحموم لقوى إقليمية ودولية وعصابات حكم داخلية تحث الخطى للسيطرة والنفوذ على اليمن أرضاً وانساناً، جبالاً سهولاً وسواحل، لم يقرأوها بعين ثاقبة وبمسؤولية مرتجاة، بسبب سهام الليل ودعوات المظلومين عليهم وأنين الجرحى وحسرات المكلومين، فأكل بعضهم  البعض كالعناكب وخان بعضهم البعض كالثعالب فتحملوا المسؤولية التاريخية أمام الله والناس والأجيال القادمة.

وعلى الرغم من سوداوية الماضي والحاضر، فلا يأس اعترى الشعب اليمني ولا انخذال تمكّن منا، وسيعود الماء إلى مجراه الطبيعي بغيرهم وسينفجر من صلد الصخر والصحاري القاحلة، وستعود ثورة 26 من سبتمبر عن طريق أحفاد من أشعلوها لأجل الشعب أول مرة ولكن بطريقة أحدث وأكثر نظارة وصدق وستكون أحفظ من الضياع وأضمن من ركوب ذئاباً جدد على سفنها للسيطرة عليهم وعليها مرةً أخرى وصدق الثائر الفضول ابن الثائر الشهيد عبدالوهاب نعمان حيث قال:

كلما ولى عن الساحات فيك*** عظيم شهدت منا عظيما

خلفه نمضي.. ولا خلف لنا*** ما مضى فينا أميناً مستقيما

التعليقات