الموقع بوست

بسبب بنيتها التوسعية ودور الغزو والإلحاق في تكوين السعودية خلال عهد عبد العزيز آل سعود؛ كانت للسعوديّة مشاكل حدوديّة مع أغلب دول المشرق العربي، وما لا يزال منها قائمًا حتى اليوم هو أكثرها حِدّة: مع اليمن والإمارات.
 
كانت المطالبة السعودية بواحات البريمي التابعة لإمارة أبو ظبي في أثناء وقوعها تحت الحماية البريطانيّة واحدة من أشد الخلافات بين السعودية وبريطانيا، وورثت الدولة الإماراتيّة الوليدة كل التركة الجيوسياسيّة المعقّدة من الاحتلال البريطاني، ومن ضمنها الشعور الدائم بالتهديد من الجارتين الشرهتين للتوسع: إيران والسعودية.
 
وهذه الأخيرة كانت مصدر التهديد الأول، وقد دفع هذا الشعورُ بالخطر حاكميْ أبو ظبي ودبي إلى عرض تحمل نفقات القوات البريطانية في الإمارتين مقابل بقائها، ولكن بريطانيا رفضت هذا العرض وسحبت قواتها، واضطر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى الرضوخ لمطالب السعودية آنذاك.
 
ورغم الأخطار المشتركة التي جابهتها السعودية والإمارات منذ 1980 وحتى 2011، ورغم التطور النسبي في العلاقات الاقتصادية بين البلدين بعد تأسيس مجلس التعاون الخليجي؛ فقد ظلت المعادلة بينهما على حالها بكل إشكالياتها التاريخية التي تُثار أحيانا، وكانت أخراها أزمة 2010.
 
الثورة تلفح الخليج

منذ تأسيسها وحتى عام 2010؛ كانت الإمارات دولة ثريّة لا تترجم فائض ثروتها إلى نفوذ سياسي في محيطها العربي، وتكتفي بإقامة علاقات سياسية تابعة للسعودية مع تذمّر وتوجس دائميْن، يترجمان إلى منافسة إماراتيّة محمومة للسعودية في التسلح والإنفاق العسكري.
 
"السعودية أدركت أنها ليست بحاجة لحشد سياسي ملكي بدون إمكانيات ماديّة عاتيّة في معركتها ضد الثورة، بل إلى شريكٍ ثريٍ يماثلها في الهيكل الاقتصادي وبنية السلطة وعلاقاتها السياسيّة، ويمكنه أن يتحمل معها أعباء قيادة ثورة مضادة تمتد "من المحيط إلى الخليج"، وهذا الشريك كان الإمارات"
 
نقطة التحوّل الرئيسية في هذا السياق كان مع قدوم الثورات العربيّة عام 2011، ولهذا التحول ملمحان: تحوّل العلاقة السياسية بين البلدين من التبعية إلى الشراكة المختلّة الموازين لصالح الإمارات، وتعاظم الخلافات بينهما وتنوعها وتحولها إلى صراع هادئ حتى الآن، ولكنه يُنذر بمعارك شرسة خاصة في اليمن.
 
وصلت الثورات العربية إلى معظم دول الخليج ولكن الاختلاف كان في نوع ما وصل لكل دولة، وكان الخوف من الثورة ومفاعيل هذا الخوف في السياسات الداخليّة والخارجيّة هو ما وصل من الثورة إلى السعودية والإمارات.
 
فالتحولات التي لا تزال تتفاعل داخل الأسرة السعودية الحاكمة، والتحول "الدرامي" في العلاقات السعودية الإماراتيّة؛ ناتجان -بدرجة رئيسية- عن الثورات العربية ومفاعيلها التي قدحت الشرر في العوامل والإشكالات البنيويّة القائمة في بنية الدولة، والطبقات الحاكمة والعلاقات السياسية في الخليج.
 
وقفت السعودية ضد الثورات العربيّة، ونتيجة لخبرتها التاريخيّة مع المدّ القومي في الخمسينيّات والستينيّات؛ فقد حاولت إقامة تحالف عربي رسمي يشاركها العداء للواقع الجديد، فأعلنت بحث منح العضوية للمغرب والأردن لمجلس التعاون. وهذه الفكرة لها سابقة تاريخيّة؛ فقد حاول الملك سعود بن عبد العزيز إقامة تحالف مَلَكي مشابه في الخمسينيّات لمجابهة المد القومي، ولكنه فشل في مسعاه.
 
ومحاولة السعودية عام 2011 فشلت كذلك لأسباب متشابكة، من بينها أن السعودية أدركت أنها ليست بحاجة لحشد سياسي ملكي بدون إمكانيات ماديّة عاتيّة في معركتها ضد الثورة، بل إلى شريكٍ ثريٍ يماثلها في الهيكل الاقتصادي وبنية السلطة وعلاقاتها السياسيّة، ويمكنه أن يتحمل معها أعباء قيادة ثورة مضادة تمتد "من المحيط إلى الخليج"، وهذا الشريك كان الإمارات.
 
في مصر كانت بداية التحول إلى علاقة الشراكة الخجولة بين السعودية والإمارات في المنطقة العربيّة، حيث قدمت الإمارات مساعدات سخيّة لمصر بعد انقلاب السيسي 2013، ومن المهم التذكير بأن المساعدات الإماراتيّة المقدمة لمصر -في عام 2013 فقط- تقارب نصف كل ما قدمته لها الإمارات من مساعدات منذ 1971 وحتى 2013.
 
وبينما يعتري العلاقاتِ السعوديةَ المصريةَ بعضُ التوتر النسبي، تبدو العلاقات الإماراتيّة مع مصر حاليًا أشد متانة وتفاهمًا، وقد وظفتها الإمارات بعد ذلك جيدًا في مشاريعها السياسيّة بليبيا والبحر الأحمر، التي اندفعت في سياقها لتخرج من موقع التبعيّة للسعوديّة والتوجس منها إلى موقع المنافس الإقليمي لها، والقائد الناجح لمعسكر الثورة المضادة.
 
اليمن ميدان الصراع

بالإضافة إلى الخلاف الحدودي التاريخي والخوف الإماراتي من التغول السعودي؛ نشأت خلافات كبيرة وتضارب في المصالح في الإقليم بين السعودية والإمارات، نتيجة للتحالف بينهما لقيادة الثورة المضادة!
 
والسبب في ذلك هو أن الإمارات -بخروجها إلى لعب دور سياسي مباشر- بدأت تمس المصالح السعودية تدريجيًا، ويمكن توزيع ميادين الصراع على محورين رئيسييْن: الدور الإيراني والنفوذ البحري، وهذان المحوران يلتقيان في اليمن:
 
- الدور الإيراني: لا خلاف بين الإمارات والسعودية في أن إيران تشكّل تهديدًا للخليج، ولكن الموقف من هذا التهديد هو مكمن الخلاف؛ فالإمارات بسبب عواملها الديموغرافيّة والجغرافيّة وللخلاف التاريخي مع السعودية، لا تذهب في صراعها مع إيران إلى نقطة اللاعودة، بل تتبنى سياسات مختلفة تجاهها وتستفيد منها اقتصاديًا وسياسيًا.
 
"تعني سيطرة الإمارات على محافظة حضرموت اليمنية وميناء المكلا على بحر العرب؛ تركيزَ هيمنتها على الخط البحري لنقل نفط الخليج أولًا، وثانيًا خنق السعودية والخليج مستقبلًا؛ فضخ النفط عبر الأنابيب من الخليج إلى ميناء المُكلا كان أحد البدائل المطروحة لنقل نفط الخليج، عوضًا عن مضيق هرمز بعد التهديدات الإيرانيّة بغلقه عام 2011".
 
ونذكر هنا كمثال أن الإمارات -كما أوضحت تسريبات البريد الإلكتروني للسفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة- تضغط لمنع توجه استثمارات أجنبية إلى إيران، وفي ذات الوقت تعد الإمارات المصدّر الأهم للبضائع إلى إيران وتتفوق في ذلك على الصين!
 
وهناك اختلاف أيضا على الموقف من النفوذ الإيراني؛ فالسعودية في زمن الثورة تتحالف موضوعيًا مع النظام العربي إلى أن يستدعي إيران، في حين أن الإمارات تعطي الأولوية لدعم النظام العربي حتى ولو وفّر موطئ قدم لإيران، وسوريا مثال مهم في هذا السياق.
 
ولهذا، لا نعتقد أن الإمارات دخلت في حرب اليمن رفضًا للنفوذ الإيراني، خاصةً أن الرئيس السابق علي عبد الله صالح (حليف الحوثيين) هو أحد أهم حلفائها في العالم العربي، ولا تزال تعوّل عليه وعلى عائلته في أي تسوية سياسية باليمن مستقبلًا.
 
الإمارات دخلت الحرب للسيطرة على الموانئ اليمنية في بحر العرب والبحر الأحمر، وهذا يعني أنها مستعدة لتسليم اليمن أو شطره الشمالي -على الأقل- إلى اعلي صالح ونجله والحوثيين، ما دامت تسيطر على الساحل اليمني في الجنوب.
 
- النفوذ البحري: تمثل المنافسة على السيطرة في البحر الأحمر مسألة شديدة الحساسية بالنسبة للسعوديّة منذ إنشائها؛ فهي ترى أنها المخوَّل الوحيد في شبه الجزيرة باحتكار مسألة البحر الأحمر، رغم أهميته الحيوية لباقي دول الخليج والإقليم. وقد كانت للملك عبد العزيز مطامع في ميناء الحُديدة اليمني، وحاول ضمّه لدولته في الثلاثينيّات ولكنه فشل في ذلك.
 
وحين تمكن الشيوعيون من السلطة في إثيوبيا؛ دعمت السعودية كلًا من الصومال في حربها عليها وإريتريا التي تريد الانفصال عنها. ويَعُدّ أحدُ المؤرخين إقامةَ مؤتمر تعز عام 1977 -الخاص بأمن البحر الأحمر- أحدَ أهم الأسباب التي دفعت السعودية لمعاداة نظام إبراهيم الحَمْدي في اليمن الشمالي.
 
ولكن حاجة السعودية إلى شريك ثري يستطيع تحمل بعض الأعباء المالية والسياسية لحملتها العسكرية على اليمن، كان بوّابة الإمارات لإشباع طموحها العسكري والإستراتيجي الجديد، للسيطرة على الطريق البحري الناقل لنفط الخليج من مضيق هُرمز، أي بحر العرب والبحر الأحمر.
 
وطوال العامين الماضيين استطاعت الإمارات أن تجد موضع قدم لها في كل من إرتيريا والصومال، وتوصلت إلى تفاهمات مع الدولتين لبناء قواعد عسكرية وتحديث وإدارة بعض موانئها، وهناك تواصل وتفاهمات واضحة بين الإمارات وإسرائيل، كما تسيطر الإمارات حاليًا على ميناء عدن وميناء المخا اليمنيين.
 
وتوجد في المدينتين قوات عسكرية تابعة للإمارات؛ أي أنها تسيطر تمامًا على الضفة اليمنية المشرفة على مضيق باب المندب. هذا إضافة للأخبار التي ترد عن احتلال الإمارات لبعض الجزر اليمنية المهمة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ومشاريع شركة موانئ دبي العالمية بقناة السويس ودعم الإمارات للبحرية المصرية في البوابة الشمالية للبحر الأحمر.
 
وتعني سيطرة الإمارات على محافظة حضرموت اليمنية وميناء المكلا على بحر العرب؛ تركيزَ هيمنتها على الخط البحري لنقل نفط الخليج أولًا، وثانيًا خنق السعودية والخليج مستقبلًا؛ فضخ النفط عبر الأنابيب من الخليج إلى ميناء المُكلا كان أحد البدائل المطروحة لنقل نفط الخليج، عوضًا عن مضيق هرمز بعد التهديدات الإيرانيّة بغلقه عام 2011.
 
خلاصة للمستقبل
 
في خلاصة التحليل؛ تبدو الإمارات مصممة على المضي بإستراتيجيتها الواضحة في السيطرة على جنوب اليمن، باعتباره منصّة القفز الرئيسة إلى النفوذ البحري في الشرق الأوسط، وإقناع القوى الدوليّة الكبرى بأهليتها لممارسة الدور السعودي التاريخي كوكيل رئيسي لأميركا في المشرق العربي والخليج، بينما تبدو السعودية بلا أي رؤية لما أرادته من حملتها العسكريّة، وبلا أي إستراتيجية لمواجهة هذا التغوّل الإماراتي في اليمن والبحر الأحمر.
 
"سواءٌ امتلكت السعودية رؤية مستقبلية لوضعها في اليمن أم لا، فإنها ستدفع الثمن؛ فبقاء الأمور يعني استمرار الحرب اليمنية والاقتتال وانهيار المجتمع، واستمرار فشل وإفشال حكومة عبد ربه منصور هادي، وهذا كله يؤدي للانفصال تحت راية الإمارات في الجنوب"
 
وسواءٌ امتلكت السعودية رؤية مستقبلية لوضعها في اليمن أم لا، فإنها ستدفع الثمن في الحالتين؛ فبقاء الأمور كما هي عليه يعني استمرار الحرب اليمنية والاقتتال وانهيار المجتمع، واستمرار فشل وإفشال حكومة عبد ربه منصور هادي، وهذا كله يؤدي إلى تطور أُسّي في معدلات نمو وتمكّن مشاريع الطائفية في الشمال، والانفصال تحت راية الإمارات في الجنوب.
 
أما إذا قررت السعودية تدارك وضعها في حال نجا ولي العهد الطموح وخرج سالمًا من معركته للجلوس على العرش، وقرر استرجاع ما بذله للإمارات في مقابل دعمه؛ فهذا يعني تأجيل التسوية السياسيّة في اليمن، واستمرار حالة الشلل الاقتصادي والبيروقراطي اليمني.
 
ويعني أيضًا قدوم معركة طاحنة بين السعودية والإمارات ستدور رحاها في اليمن أولًا، وستكون معركة هامّة؛ لأن مدى التوسع والتوغل والقمع الإماراتي في الجغرافيا والمجتمع السياسي اليمنيَّيْن، يقول إنها تضع كل ثقلها السياسي والمالي والعسكري لاغتنام هذه الفرصة التاريخيّة لوراثة التركة السعودية، وبوابة هذا الطموح هو إحكام السيطرة على الساحل اليمني الخَطِر.

*الجزيرة نت