الموقع بوست
وسام محمد

وسام محمد

طوال الوقت هناك ما يمكن عمله! (1 - 2)

الأحد, 10 ديسمبر, 2017 12:06:00 صباحاً

يبدو أنه لا يزال من المبكر الحديث عن المشاريع السياسية الراديكالية, بعد تفشي حالة الميوعة في المجال العام, كنتيجة طبيعة لوجود عدد من العوامل ويأتي في صدارتها:
 
_ الاستبداد والحكم الشمولي في البلدان العربية.
 
_ تسيد المنظمات غير الحكومية.
 
_ تعميم سياسات النيوليبرالية.
 
_ انهيار اليسار عقب سقوط جدار برلين وصعود الحركات الدينية المتطرفة.
 
_ انهيار منظومة التعليم وفشل الدولة الوطنية.
 
_ تسيد الثقافة السياسية المشوهة.
 
_ عدم القدرة على ابداع البديل السياسي المواكب لحركة العصر والقادر على عمل قطيعة مع طريقة العمل السياسي التقليدية.
 
في الحقيقة هناك عوامل كثيرة, نحن بحاجة ليس فقط لسردها, ولكن أيضا لدراستها بشكل مفصل, كمقدمة ضرورية لتجاوزها. في العمل السياسي باعتقادي يبقى الأمر مرهون بمدى القدرة على تجاوز الوعي السائد لصالح وعي جديد يكون في متناول الجماهير كدليل سياسي وثوري يدفعها نحو تأسيس البدائل القادرة على تغيير الواقع.
 
ولأن أمر كهذا يظل متوقف في الأساس على وجود طليعة ثورية قادرة على فهم الواقع وتعقيداته بما يؤهلها لبناء برنامج واضح يلامس حاجة الجماهير ويترجم تطلعاتها, ولأن حركة الجماهير مستمرة فالمهام الحالي والملح يتطلب العمل في المستويين، مستوى خلق الطليعة الثورية ومستوى الانخراط في حركة الجماهير والتعلم منها, واعادة بلورة تجاربها الناجحة الى دليل للنضال يكون من السهل تعميمه.
 
إذن قبل ان نتصدى لمهمة من نوع اعادة تعريف السياسة, وتحديد طبيعة الدولة التي نريدها, وحتى يكون أمر كهذا في المتناول فلا مجال أمامنا سوى بالانخراط ضمن حركة الجماهير ومجابهة المشاكل التي تطرحها وتعيق تقدمها ومحاولة حلها, وفي مستوى آخر تنظيم هذه الجماهير بحسب ما يتاح وما يبدو انه قابلا للتطوير.
 
قبل أن نستعرض بعض المهام التي يمكننا الإضطلاع بها, علينا أن نتخلص من هاجس الزعامة والرغبة في التصدر إن لم يكن في ركوب الموجة, كأحد سمات الفهلوة التي أورثنا اياها نظام الاستبداد لدرجة أن الفهلوة أصبحت أقصر الطرق وأفضلها لممارسة السياسة, ولعل هذا يظهر بوضوح عند تقصي الوضع الداخلي للأحزاب القائمة أو عندما ينعكس في الممارسة العامة على شكل انتهازية مقيتة. لم يكن شباب الثورة بمنأى عن اكتساب بعض هذه السمات, فهم أبناء هذا الزمن الذي هو خلاصة عقود من الانحطاط والتشوه الذي أصاب الثقافة السياسية, لكنهم بالمقابل حلقة الوصل الوحيدة بين تركة الماضي والرغبة الجذرية والأصيلة في تجاوزها, وهذا ما جرى التعبير عنه بجلاء عند قدحهم لشرارة الثورة في فبراير من العام 2011 مع كل ذلك الاستعداد الخرافي للبذل والتضحية.
 
بكلمات أقل يمكن القول أن شباب ثورة فبراير هم عنوان الزمن الجديد، وعند دراسة تلك العوامل الواردة اعلاه سوف يفهمون لماذا فشلوا في المضي بثورتهم خطوة أبعد، لا الوعي كان بصفهم ولا امكانية تأسيسهم للبدائل الثورية أو حتى التنظيم الثوري بمعناه التقليدي. فوعيهم السياسي تفتح للتو ولم يكونوا محصنين بالقدر الكافي وبما يقيهم من الوقوع في أحابيل الزمن البائد وما بدا انه استسلام لنفس الثقافة السياسية المشوهة مضافا لذلك جرعات من حماس الشباب كان من فوائدها ان أثبتت بما لا يدع مجالا للشك, أنه من المستحيل صناعة الزمن الجديد بنفس الطرق والآليات القديمة. الأمر يتطلب فهم وقطيعة وابتكار.
 
بعد 6 سنوات من الثورة لا شك ان خبرة ثمينة قد تراكمت, أن وعيا جديدا قد تخلق, وان ممارسة فعلية قد تطورت. لكننا مع ذلك لا نزال في بداية المشوار. وكل هذا الذي تراكم يمكن المراهنة عليه فقط لاجتراح مسار جديد اصبح من السهل العثور على أساس متين له في الواقع وفيما يطرحه من قضايا.
 
كانت الممارسة العملية وستظل هي الأساس بينما الجماهير ستظل خير معلم, وهذا لا يعني أننا في غنى عن الجهد النظري. ويبقى الأمر في الأول والأخير مرهون بتنظيم صفوف القوى الثورية والجماهير صاحبة المصلحة في انتصارها.
 
لكي لا نفقد البوصلة, وحتى لا نمعن في الشتات, ومن أجل ألا يصبح التيه هو برنامج عملنا الوحيد, ليس أمامنا من مناص سوى حمل كل هذه المهام والاقتراب من ميدان النضال الفعلي. كل القوى السياسية مأزومة وبلا أفق وهي تحمل أزمتها في عمق تركيبتها كانعكاس لطبيعتها الاصلاحية. بينما يمكننا الانطلاق من أرضية أن أفقنا ثوري, ولدينا استعداد غير محدود لوضع قطيعة مع طرق العمل السياسي التقليدية واعتماد بدلا عن ذلك روح المبادرة ومبدئي الاقناع والابداع. هذه هي فرصتنا الثمينة والمكررة لاجتراح فعل ثوري مستقل يجعلنا قادرين على التجاوب مع متطلبات الواقع والتهيئة لإمكانية تأسيس مشاريع سياسية خلاقة. فالسياسة كما عرفها نيتشه هي محاولة تنظيم القوة ومعرفة كيفية تطبيقها في حياة الناس. 
 
اذن لو أن هذه المقدمة تنفع للبدء في اقتراح مهام عملية, فعلينا أن نبدأ بتحديد أهم المشكلات التي تثبط حركة الجماهير وتمنع تقدمها عوضا عما يترتب على ذلك من أضرار نفسية ومادية تتراكم وتصبح مع مرور الوقت بمثابة كوابح صلبة يصعب تجاوزها.
 
في الحقيقة هناك مقترحات كثيرة يمكن الحديث عنها, لكني أفضل البدء بالحديث عن تلك المهام التي يصبح التصدي لها نابع من حاجتنا ومخاوفنا اليومية وليس فقط لأنها مهام ذات طابع ثوري.
 
أحد هذه المهمات مثلا, أن المليشيا الانقلابية بعد ان استفردت بالهيمنة على مؤسسات الدولة وبإدارة مصالح حساسة, فإن الخشية باتت تتعاظم أمام ما نعرفه من رعونة هذه الجماعة الفاشية التي أصبحت تفرض سلطتها ومنطقها بالحديد والنار.
 
بعد أيام من تصفيتها لشريك انقلابها, لم نتفاجأ مثلا أن هذه الجماعة بدأت في حجب مواقع التواصل الاجتماعي كمتنفس وحيد أمام اليمنيين بعد حجب المواقع الالكترونية وايقاف الصحف. ما يعني أنه لا يستبعد ان تعيدنا هذه الجماعة الى ظروف العصور الوسطى, بعد ان أصبحت الكهرباء مقطوعة والرواتب متوقفة والمشتقات النفطية خاضعة لقانون السوق السوداء. بل بعد أن أظهرت كل هذه الجرأة في المقامرة بما تبقى أمام الناس من حياة وعدم تورعها عن شن حرب شاملة طالما أن هناك أبسط تهديد لسلطتها.
 
على الضفة الأخرة لدينا سلطة شرعية, أقل ما يمكن القول بحقها, أنها متحف متحرك للعجز والفساد التاريخي مضافا لذلك انعدام كلي للضمير وأبسط حس للمسؤلية.
 
اذن أي عمل من أجل الجماهير لابد ان ينطلق من حاجتها الواقعية ولتحسين شروط صمودها، أما الآلية فتعتمد على روح المبادرة قبل أي شيء آخر, وفي الأساس ضمن اطار مبدئي الابداع والاقناع.
 
مثلا أمام واجب التصدي لمشكلة الأنترنت الذي أصبح مهددا بالحجب وربما الوقف النهائي ما يعني الحكم على الملايين بالعزلة, أمام هذا الوضع يصبح من الضروري بل والملح أن يكون هناك تحرك عاجل من قبل عدد من الشباب ضمن ألية مفتوحة تعطي الحق لكل من يريد ان يساهم الاشتراك ببرنامج عملها الواضح والعلني. وليكن الهدف تحرير الاتصالات من قبضة ولمليشيا.
 
هذا التحرك يمتلك حجته من حقيقة ان الشرعية عاجزة عن مواجهة مشاكل المجتمع وغارقة في بيروقراطية رثة.
 
كيف يمكن لذلك ان يتحقق الأمر يتوقف على مدى توفر قدر من الاستعداد والايمان بأهمية هذا التحرك. طوال الوقت هناك ما يمكن عمله. أو هذا ما يمكننا الحديث عنه في الجزء الثاني من هذه المقالة.

*المادة خاصة بالموقع بوست.