أزمة استقرار البحر الأحمر
الأحد, 14 يناير, 2018 - 10:48 صباحاً

يظلّ ملف الاستقرار السياسي، الأكثر أهميةً في النظام الإقليمي للدول المطلّة على البحر الأحمر، منذ نهاية العام الماضي. وثمة الآن أزمة في القرن الأفريقي، تتمثل في المنافسات الإقليمية التي بدأت منذ عام 1869 بافتتاح قناة السويس في مصر، لتربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، فيصبح أقصر وأسرع ممر بحري بين الشـرق والغرب، وبديلاً لطريق رأس الرجاء الصالح الطويل في حركة التجارة الدولية، فقد تعرضّت هذه المنطقة لعمليات متشابكة من التوترات بين هذه الدول، وكذا عمليات القرصنة في سواحل الصومال، وتزايد مخاطر الإرهاب وتفاعلات الحرب في اليمن، ما استدعى التدخلات الدولية بالعسكرة والتجييش، وجعل الأزمات تتزاحم مع المصالح والأجندات الإقليمية والخارجية. 
 
وبارتباط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط والقرن الأفريقي وخليج عدن، ممرات بحرية رئيسة وشرايين مهمة للتجارة العالمية، فإنّ الصراعات هي القاعدة السائدة في المنطقة، فيما الأمن والاستقرار هما الاستثناء، ما يدلُّ على أنّ الحروب والأزمات متأصّلة في البنية السياسية لهذه المنطقة، ومتجذّرة في خلفيتها التاريخية. فمنذ نشأة هذا النظام الإقليمي في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، والمنطقة تشهد تنوعاً دموياً ما بين الحروب والصدامات المسلحة والصراعات السياسية.
 
حرّكت رسائل الخرطوم التي بثتها، في الآونة الأخيرة، ردّات فعل إقليمية عنيفة، فمن أجل سعي السودان إلى إقامة خريطة جديدة للتحالفات في المنطقة، وللبحث عن مصالحة مع هذه الدول خارج إطار العلاقات التقليدية التي ترهن السودان للابتزاز السياسي، توجه الرئيس عمر البشير إلى موسكو، واستقبل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من الخرطوم حتى بورتسودان وسواكن على الساحل الغربي للبحر الأحمر.
 
 ثم حمل اللقاء اتفاقاً لإنشاء مرسى لصيانة السفن المدنية والعسكرية، وتوقيع اتفاقيات للتعاون العسكري والأمني، خصوصا أمن البحر الأحمر والدفاع المشترك. كما قام السودان بخطوة أكبر مما كان يُتوقّع، وهي نشر جنود قوات الدعم السريع "مليشيا الجنجويد" على الحدود مع إريتريا، وإعلان حالة الطوارئ في ولاية كسلا المحاذية لإريتريا وإغلاق المعابر معها. وتم ذلك كله مع إعلان الحكومة أنّ هذه الإجراءات هي للسيطرة على تهريب البشر والسلع والسلاح، بينما لا يستدعي ذلك استجلاب هذا العدد الكبير من القوات، فأحاديث المدينة سرّبت أخبارا عن قيام عناصر وجهات (تمت تسميتها) بالتخطيط لزعزعة أمن البلاد واستقرارها من خلال منفذ "اللفة" بين إريتريا وولاية كسلا السودانية ومكتب المتابعة الإريتري في الولاية، والذي يقوم بمهام استخبارية وقنصلية.
 
يُقرأ تسلسل الأحداث، منذ تم توقيع اتفاقية ترسيم الحدود المصرية السعودية، والتي ضمت إلى الحدود المصرية إقليم حلايب، وهو ما اعترفت به الرياض عملياً. استدعى السودان سفيره لدى القاهرة، عبد الحليم عبد المحمود، للتشاور، بعد أن نشرت صحيفة أديس فورشن الإثيوبية المستقلة أنّ مصر طلبت من إثيوبيا، في زيارة وزير الخارجية المصري، سامح شكري، لها، استبعاد السودان من مفاوضات سد النهضة، وأن تكون المحادثات ثنائية وبإشراف البنك الدولي، وموصولاً أيضاً بانفلات عقال إعلام النظام المصري. وفي هذه الأثناء التي يزور فيها الرئيس الإريتري أسياس أفورقي مصر، للمرة الرابعة منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم، يسجّل رئيس الأركان في الجيش السوداني، الفريق عماد الدين عدوي، زيارة مفاجئة إلى إثيوبيا، لبحث التطورات العسكرية والأمنية في الحدود الشرقية للسودان، كما يصادق السودان على اتفاقية قوات طوارئ شرق أفريقيا، بتنسيق سياسي واستخباراتي مع الدول المكونة لها.
 
وفي حالة أي بادرة صراع، فإنّ القوات السودانية ستواجه التهديدات الإريترية المصرية في الحدود الشرقية مدعومة بالقوات الإثيوبية. ويتهيأ ذلك بالحشود الحالية بين البلدين، والتي هي ردة فعل للأزمة بين السودان ومصر، فللأخيرة قوات عسكرية في الحدود الغربية في قاعدة "ساوا" العسكرية الإريترية، وأفراد من المعارضة الإثيوبية المدعومة من النظام الإريتري.
 
يواجه هذا التحدي كلا من مصر وإريتريا من جهة، والسودان وإثيوبيا من جهة أخرى. وفي خضم هذه الأحداث، ظهرت نتائج يمكن وضعها في الاعتبار، وهي أنّ دول المنطقة لم تتعلّم أنّ احتواء هذه الصراعات يتطلب بالضرورة جهداً واعياً لتجنب الانقسامات بالقوة. يناور السودان للدفاع عن سيادة البلاد باعتبار ذلك مطلبا شعبيا، وللحفاظ على كرسي الحكم مطلبا سلطويا، لكنها مناورة محفوفة بالمخاطر.

ومن المؤسف أنّ الفشل في تبنّي سياسات تقوم على الاحترام المتبادل كان سبباً في انزلاق الدولتين إلى التعسكر الخارجي، وهذا في وسعه أن يغذّي صراعاً عنيفاً على الأبواب، فلا شعب السودان، ولا مصر، يرغبان في خوضه. وقد تعوّد النظامان السوداني والمصري على إطالة عمر نظاميهما عبر التناقضات وتطوير الأزمات، في محاولة منهما للهروب من التداعيات الداخلية التي تواجههما. ولا شك أنّ اندلاع حرب سيكون كارثياً على الشعبين، ولن تستطيع الدول التي تدفعهما إلى المواجهة من إنقاذهما من أزماتهما المتلاحقة، مهما قدمت لهما من مساعدات.
 
سيفضي ما يحدث في منطقة البحر الأحمر من تفاعلات وتجاذبات، لا محالة، إلى إعادة تشكيل المنطقة، وصياغتها بشكلٍ يعكس طبيعة التحالفات الإقليمية والدولية الجديدة. وأغلب الظنّ أنّ هذا التغيير لن يكون له من قوة دافعة سوى المصالح. ربما تنتصر المخاوف السودانية من التجاوز المصري على المخاوف المصرية من رغبة السودان في تعزيز موقعه الأفريقي الذي التفتت إليه مصر فجأة، فالطريق إلى تحقيق رغبات كل طرفٍ لا ينبغي أن يكون مفروشاً بأجندة الغير، وإلّا وصل الطرفان إلى طريقٍ مسدود، وفشلا في الكشف عن المسار الصحيح.

*العربي الجديد 

التعليقات