الموقع بوست

جلست مع صديق عربي في إسطنبول أثناء حضور مؤتمر، وبينما نقفز بين المشكلات والقضايا في جملة من هنا ورأي من هناك إذا به يشعر بالإعياء فلا يوجد قضية في إقليمنا تقترب من حل. وبينما نتحدث قفز للحوار صديق ثالث:
 
شعوبنا تدمر بجهد من أطراف عدة، نحن في آخر حسابات الدول، إذ لا ينظر الينا كعرب إلا بصفتنا ورقة من أوراق الدول والأمم المحيطة بنا كما وبيد عدد من قادتنا العرب. شعوبنا العربية تدفع الثمن من قوتها وحياتها واقتصادها ومستقبلها، كل الحلول عندما يتم حسابها بما فيها تلك التي يقال بأنها قد تقع في سوريا أو ليبيا أو غيرها ستكون على حساب الشعوب. وهي بالتالي ليست حلولا لمشكلات متفجرة بل مقدمة لمراوحة طويلة وإعادة طرح المشكلة مجددا . أن الأسئلة عن العرب لا يمكن ان تتوقف وذلك لأن وجودهم على المحك.
 
لنأخذ الحالة السورية، لقد قام الشعب بثورة، بينما رد النظام عليها بتدمير شامل لسوريا شعبا ودولة. القصة لا تقف عند النظام، فقد أدى التردد التركي لتفويت الكثير من الفرص على المعارضة السورية، وأدي تدخل الدول العربية بدوره لتشتيت قوى المعارضة، وأدى فيما بعد التدخل الروسي عام 2015 لتغير كل قواعد اللعبة، أما الدور الإيراني فقد نجحت المعارضة في بناء توازن معه عند حد محدد لولا التدخل الروسي. كل المؤشرات تؤكد بأن الدول المحيطة بسوريا مهتمة بقضايا قد لا تعود بالنفع المباشر على المسألة السورية لكنها قد تخدمها أيضا بمحض الصدفة، فالاتراك مهتمون بالمسألة الكردية، وتعاملهم مع سوريا مرتبط بهذه المسألة، وهذا قد يفيد القوى السورية المعارضة، بينما روسيا تعي جيدا بأنها ستخسر في سوريا لو خسرت إيران، وذلك لان ما يثبت الاسد على الارض ليس الجيش الروسي بل الوجود الإيراني، وهذا يجعل التحالف الإيراني الروسي مستمر. اما الولايات المتحدة فتبحث عن طريقة لتبقى في سوريا وفي غيرها، وهي لهذا جعلت من الأكراد جوهر سياساتها تجاه سوريا. ولو درسنا كل مسألة متفجرة في الإقليم سنجد بأن ليبيا واليمن تمران بذات التعقيد الذي تمر به سوريا. بل يجري اليوم تدمير اليمن دون أدنى اعادة نظر في الحرب ونتائجها المدمرة. لهذا فالقضايا العربية المختلفة بما فيها قضية سوريا ستعاني من المراوحة لسنوات عدة قد تصل للعشر، بل يتضح أنه في ظل غياب حل سياسي يغير الأوضاع التي أدت بالاساس للثورات والعنف فالمراوحة مستمرة في طول الإقليم العربي وعرضه.
 
ما يريده الشباب في العالم العربي هو جوهر الموضوع وسبب الإحتقان العربي الأعمق. كل المؤشرات تشير إلى انه يريد نظاما سياسيا يحترم جهده ويصنع تعليما عصريا متقدما يساوي بين الشاب والشابة، يريد نظاما ينمي العدالة الإنسانية ولا يكون سببا في نشر الظلم والفساد، يريد نظاما مسائلا يحميه من الفساد والتسلط والجشع. الشباب يريد أن يشعر بأنه في دولة يحترمها ونظام سياسي يلبي طموحاته من خلال إشراكه في صناعة القرار وبناء الاستقرار. الشباب يريد إقليما عربيا جاذبا وليس طاردا للناس، مكان يحتوي طاقات الشباب ويؤمن لهم حق التجربة والخطأ والإرتقاء.
 
الحالة الطاردة العربية ادت لوجود خمسة ملايين عربي في تركيا. من الخمسة ملايين عربي ثلاثة ونصف منهم سوريين.
 
في الخمسينات والستينات كان العرب يتجمعون في بيروت هربا من عنف الأنظمة العربية، أما اليوم فأصبحت إسطنبول التركية مكانا لمئات الألوف من المصريين والفلسطينيين والليبيين بالإضافة لدول الخليج. الشتات العربي لا نهاية له ولا حدود له، انه منتشر بعدد قضايا العرب ومشكلاتهم.
 
العرب على المحك، والقضايا الأخرى خارج دائرة الحروب المباشرة تضع الدول في مرمى النيران. فما الذي سيقع بين دول الخليج في حال استمرت القطيعة والازمة الخليجية طويلا؟ بالطبع مزيد من الإبتعاد عن مجلس التعاون واطاره الجامع ومزيد من التدمير الذاتي. ماذا سيقع مع الأمراء ورجال الأعمال المحتجزين في المملكة العربية السعودية، وما الذي سيقع مع المثقفين والدعاة الذي أودعوا سجون المملكة؟ يصيب كل تحليل إن إعتبر بأن شكل التعامل وطريقة حل هذين البعدين سيقرر الكثير في المرحلة القادمة في المملكة العربية السعودية كما وفي منطقة الخليج. مصر تمر بمرحلة مفصلية الآن. ماذا سيقع في مصر وإنتخاباتها في الشهور القليلة القادمة؟ والأهم: هل تستطيع مصر تحمل سنوات أربع مع الرئيس السيسي تتميز بسقوط للاقتصاد المصري وتعميق لأزمة الحياة والمعيشة بالإضافة للأزمة السياسية والعنف والإرهاب؟
حالة العرب الراهنة أقرب للثورية دون أن يكون هناك ثورة.

*عن الوطن القطرية