الموقع بوست

أرعب الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة للدولة الإسرائيلية عواصم العالم بصفته قرارا يتميز بالرعونة والعليائية، لكنه بنفس الوقت أحرج حلفاء ترامب في الدول العربية، وخلق مشاعر حزن واحتجاج ممزوج بالضيق والألم في أرجاء الوطن العربي والعالم الإسلامي. القرار سيؤدي بطبيعة الحال لمزيد من التراجع للنفوذ الأميركي في الإقليم العربي والإسلامي، وقد يتحول ما وقع للقدس الجريحة بداية صحوة. لقد قرر ترامب باسم الولايات المتحدة إعطاء إسرائيل شيئا لا تملكه ولن تملكه. ففي العام 1917 قدم بلفور للصهيونية وعدا بالوطن القومي.

وقبلها قام سايكس وبيكو، نيابة عن الاستعمارين البريطاني والفرنسي عشية انهيار الدولة العثمانية برسم خريطة سايكس- بيكو لتقسيم بلاد الشام والعراق وفلسطين والأردن. والآن يمارس الرئيس الاميركي ترامب ذات التوجه فيعترف بالقدس العربية عاصمة للدولة الصهيونية. لقد تداعى كل الخبراء الأميركيين بعد الثورة الإيرانية عام 1979 للإجابة عن السؤال: كيف خسرنا إيران بعد ان كانت الحليف والصديق الأول في الشرق، بعد هذا القرار بسنوات سيتداعى خبراء الولايات المتحدة ليتساءلوا كيف خسروا العالم العربي.

لقد جعلت مكانة القدس كل الرؤساء الأميركيين يترددون بنقل السفارة الأميركية للقدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل. إسرائيل احتلت القدس الشرقية عام 1967 في حرب عدوانية على الدول العربية، وقد اعتبرت الأمم المتحدة القدس بالاضافة للضفة الغربية وغزة والجولان وسيناء في حينها أراضي محتلة يجب عدم تغيير معالمها وإعادتها للسيادة العربية ضمن سياسة تهدف لحل الصراع. كانت النصيحة لكل الرؤساء الأميركيين ضرورة عدم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وذلك لأن الاعتراف بالسلوك الإسرائيلي الذي يبني المستعمرات ويغير معالم المدينة ويهجر السكان سيفقد الأميركيين قدرتهم على لعب دور مقبول بين أطراف الصراع.

لكن ترامب لا يعي معنى تصرفاته، وهو يتبع سياسات ستؤذي المصالح الاميركية في المدى المنظور والبعيد، بينما نائبه بنس بالتحديد من مدرسة تميل للأصولية المسيحية التي تؤمن بنبوءات إنجيلية خرافية حول القدس واليهود وتنصيرهم بعد عودتهم جميعا لفلسطين. نبوءات المسيحيين الأصوليين غذتها الحركة الصهيونية في الثلاثين عاما الماضية. اليوم يسكن في البيت الابيض التيار الأصولي الأميركي المتلاقي مع تيار المستوطنين الذي يمثله كوشنير.

قرار ترامب القصير النظر لم يتمعن بالحقائق على الأرض. فهناك اكثر من 300 ألف فلسطيني عربي مسلم ومسيحي مقدسي في القدس، فما هو مصيرهم وفق عبقرية ترامب؟ هل يرحلون عن بلادهم التي صبروا وثابروا على مدى أجيال متصلة للبقاء فيها، وذلك بالرغم من كل حملات التهجير والتنكيل التي تستهدف القدس العربية منذ وقوعها في قبضة إسرائيل في حرب 1967؟ وماذا سيحصل لأملاك أهل القدس، فهم أصحاب المكان والمنازل والأزقة والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة والتاريخ وغيرها من المقدسات؟ ونسأل: كانت القدس الشرقية العاصمة المطروحة للدولة الفلسطينية، والآن بإخراج القدس من المعادلة من هي القيادة الفلسطينية التي تستطيع التفاوض على ما تبقى من الأرض؟ والقدس مدينة المدن ليست لوحدها ولا هي معزولة عن بقية الأرض المحتلة أو عن فلسطينيي 1948 ولا عن المجتمعات العربية بمسلميها ومسيحييها. ونتساءل كيف ينعكس القرار والتسلسل التاريخي لهذا الصراع على الدول العربية واستقرارها..؟ كان الأردن مثلا يلعب دورا مهما في تهدئة المواقف، فكيف سيعبر الدور الأردني عن نفسه بعد ذلك؟ وهل هذا تمهيد لمزيد من التهجير الفردي والجماعي للفلسطينيين من الضفة الغربية، وتمهيد بالتالي لمزيد من الحروب على غزة؟ وقد يؤدي كل ذلك كما سبق وحصل عبر التاريخ لعودة روح المقاومة بكل أشكالها في داخل فلسطين وفي خارجها عبر حدودها وضمن دولها.

للتاريخ منطق، لقد رمى ترامب صخرة كبيرة في مياه راكدة في إقليم عربي ملتهب. الواضح من ردة الفعل الأولى بأنه لن يستطيع السيطرة على اتجاه المياه وفيضاناتها. سيكتشف ترامب بأن قراره أنهى آفاق السلام ولم يعززه، وأضر بالمصالح الاميركية ولم يعزلها، لكنه فوق كل شيء أعاد للمقاومة الفلسطينية والعربية وميضها.