سياسة واشنطن الخارجية في العهد المقبل: بزنس أم كلاسيك؟
- مراد مراد الإثنين, 24 أكتوبر, 2016 - 06:29 مساءً
سياسة واشنطن الخارجية في العهد المقبل: بزنس أم كلاسيك؟

[ هيلاري كلينتون ]

اسبوعان فقط يفصلان الاميركيين والعالم عن واحدة من اهم الانتخابات الرئاسية في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية. واهمية العملية الديموقراطية هذه المرة تنبع من: توقيتها المؤثر على مسار العديد من الازمات حول العالم، وهوية المتنافسين فيها (بوجود اول امرأة مرشحة عن حزب كبير)، والوضعين الامني والاقتصادي العالميين، بالاضافة الى التهديد غير المسبوق الذي تتعرض له هذه العملية من دولة اخرى مع تصاعد هجمات القرصنة الالكترونية المدعومة من روسيا ضدها.
 
النفوذ الاميركي الذي وهن في الشرق الاوسط في عهد الرئيس المنتهية ولايته باراك اوباما، سيتحدد مآله بحسب هوية الفائز في انتخابات الثامن من تشرين الثاني المقبل، خاصة وان المرشحين الجمهوري دونالد ترامب والديموقراطية هيلاري كلينتون يملكان وجهتي نظر مختلفتين تماما حول صورة السياسة الاميركية مستقبلا في هذا العالم الملتهب بالصراعات.
 
ترامب يضع نصب عينيه في حال بلوغه السلطة تدمير الإسلاميين اينما كانوا واينما حلوا بغض النظر الى اي مذهب اسلامي انتموا سواء سنة او شيعة، وهو على استعداد تام لشن حملات عسكرية وارسال جنود اميركيين الى اي منطقة في العالم للنيل من اي جماعة او اي دويلة او دولة اسلامية، وابدى في هذا الاطار استعداده للتحالف مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين او اي زعيم آخر في العالم.
 
اما كلينتون فستكون سياستها اقرب الى سياسة اوباما انما مع حزم وامكانية اللجوء الى القوة. ورغم سعيها لهزيمة التطرف الإسلامي الا انها لا ترى الارهاب الخطر الوحيد الذي يتهدد امن الولايات المتحدة ومصالحها، فهي تعتبر روسيا خطرا كبيرا على العالم الحر، وبالتالي اولوياتها في حال وصلت الى السلطة قد لا تتقاطع في اي شق منها مع موسكو، والروس يعلمون ذلك جيدا، ولهذا حذر اصدقاء بوتين الشعب الاميركي من ان انتخاب كلينتون قد يوصل البلدين الى حرب نووية.
 
وتعرض «المستقبل« في هذا التقرير صورة السياسة الخارجية الاميركية المقبلة حيال ابرز الملفات الدولية، وذلك وفق ما ادلى به ترامب وكلينتون مرارا على مدى الاشهر القليلة الماضية. وبالطبع قد تحدث في العالم امور طارئة تقلب سياسة رئيس دولة عظمى كالولايات المتحدة 180 درجة، لذا فهذه التوقعات تقديرية ومبنية على اساس تصريحات ادلى بها المرشحان مؤخرا، وفي نهاية المطاف ما من شخص في العالم يحكم دولة عظمى بمفرده، فهناك طواقم استشارية ووزارية ستتشكل في الشهرين الفاصلين بين صدور نتيجة الانتخابات في التاسع من تشرين الثاني المقبل واستلام الرئيس الجديد مهامه رسميا في 20 كانون الثاني المقبل.
 
روسيا
 
لم يخف دونالد ترامب اعجابه بشخصية فلاديمير بوتين وحنكته وسياساته. وهو يرى في ترسيخ الرئيس الروسي الحس القومي لدى شعبه نهجا ذكيا يجب تطبيقه مستقبلا في الولايات المتحدة. ومرد ذلك الى ان ترامب يهوى حكم الشخص الواحد الذي يدير البلاد وكأنها شركة يملكها ويفعل بها ما يحلو له. وحلم الملياردير الاميركي هو الوصول الى الحكم وابرام علاقات البزنس على انواعها مع نظيره الروسي وتقاسم مقدرات الكوكب بينهما، سواء اكان ذلك على حساب البيئة في ما يتعلق بقطاع الطاقة والتنقيب عن النفط والغاز، فترامب يعتبر ظاهرة التغير المناخي مجرد اكذوبة ليبرالية يسارية، او على حساب دماء مئات الآلاف او الملايين من البشر في ما يتعلق بصفقات الاسحلة وشن الحروب، وستكون احدى امنياته شن حرب جديدة على الارهاب شراكة مع بوتين ضد الجماعات الاسلامية.
 
في المقابل تعرف هيلاري كلينتون جيدا من هو فلاديمير بوتين، فهي التقته مرارا ايام كانت وزيرة للخارجية الاميركية في ولاية اوباما الاولى، وهي تصفه دوما بأنه «بلطجي»، ومن النوع «الذي يرغب دائما بالحصول على اقصى ما يمكنه الحصول عليه في اي مجال، وهذا النوع اذا لم يجد من يقف في وجهه بحزم سيواصل سعيه لجمع المزيد والمزيد». وقد كررت خلال المناظرات الرئاسية انها ستكون مستعدة للتعاون مع روسيا طالما كان ذلك ممكنا، لكنها تعلم جيدا ان التعامل مع رئيس كبوتين يستوجب قوة وحزما في اتخاذ القرارات لأن اعطاءه القليل سيفهمه هو بأن الكثير مسموح له ايضا. من هذا المنطلق تدرك موسكو ان وصول كلينتون الى السلطة سيؤدي بالعلاقات بين البلدين الى مزيد من التأزم، وهي لن تتردد في احترام اي خط احمر ترسمه، على عكس اوباما.
 
سوريا
 
ترامب ليس معنيا بإنهاء حكم بشار الأسد او حتى محاكمته، ولا مشكلة لديه في تسليم سوريا كاملة الى روسيا طالما ان بوتين يفتك بالجماعات الاسلامية على انواعها، وفي الوقت عينه يتقاسم جبنة صفقات الاسلحة واعادة الاعمار معه. اذا بالمختصر المفيد وصول ترامب الى البيت الابيض سيكون بمثابة حلم وردي للأسد قد تحقق، وقد اعرب الملياردير الاميركي عن رغبته في ارسال جنود اميركيين فورا الى ارض المعركة للقضاء على داعش والنصرة.
 
اما كلينتون فستدعم فور تسلمها السلطة فرض مناطق حظر جوي في سوريا، ولن تتردد في ارسال قطع بحرية الى المتوسط لتأمين هذه المناطق، ولن تتردد ايضا في اعطاء الطيران الاميركي الضوء الاخضر لضرب قوات الاسد، لكنها لن ترسل جنودا اميركيين الى الميدان برا. وهذا يعني ان سياسة الحفاظ على ميزان القوى الميداني ستستمر، مع فارق ان كلينتون ليس لديها تردد اوباما في ما يتعلق بحسم الامور مع الروس. وفي العموم هدف سياسة كلينتون ليس تغليب الثوار على نظام الأسد، انما توليد الضغط الكافي لإيجاد حل سياسي جامع للأزمة، وهي ايضا ستدعم احالة ملف الجرائم المرتكبة في سوريا الى المحكمة الجنائية الدولية.
 
ايران
 
تصريحات ترامب حتى الآن توحي بأنه يكره ايران الى درجة انه قد يجعل منها الهدف الاول للجيش الاميركي بعد التخلص من داعش. فهو ندد مرارا بالاتفاق النووي الذي ابرمه اوباما مع طهران، وانتقد بشدة موضوع اعادة 150 مليار دولار اميركي الى النظام الايراني. كما انه يدرك جيدا حجم توسع ايران في المنطقة، حتى انه رد على صحافي سأله عن رأيه حيال الحرب في اليمن فاجاب ترامب ان «الايرانيين يحاولون السيطرة على اليمن، لقد اعطتهم ادارتنا الغبية العراق فلم يكتفوا بها، الآن هم في اليمن، انهم يريدون السيطرة على كل شيء». وقد يفهم الايرانيون نقطة ضعف ترامب في ما يتعلق بالمال وربما يعقدون معه صفقات مغرية، الا ان الملياردير الخبير بالبزنس على انواعه يدرك جيدا ان ما تتقاسمه ايران مع روسيا في المنطقة ربما من الاجدى به هو الحصول عليه. ولهذا السبب يرجح جدا ان يكون قرار العمل على اطاحة النظام الايراني احد اولويات الاستراتيجية الشرق اوسطية التي سيطبقها ترامب في حال وصوله الى الحكم.
 
اما كلينتون التي كانت طرفا اساسيا في استراتيجية ابرام اتفاق نووي مع ايران وكانت اثنت مرارا على الاتفاق الذي وقع العام الماضي بين واشنطن وطهران، فقد المحت اكثر من مرة انها على استعداد للتفاوض مع الايرانيين من اجل عقد اتفاق جديد (شبيه بالنووي اي ذي طابع دولي بمشاركة الدول الكبرى) غايته تحويل نفوذ طهران في الشرق الاوسط من الطابع العسكري العدائي الى الطابع السلمي والبناء، وهذا يشمل طبعا وقف تمويل وتسليح مليشيات الحوثيين و«حزب الله« في اليمن ولبنان.
 
اسرائيل وفلسطين
 
ترامب لا يجامل، ولم يتردد بإطلاق وعده الشهير بأن القدس ستصبح عاصمة اسرائيل في حال وصوله الى الحكم. وهو فعلا يعني ما يقول ولم يقله فقط لجذب دعم اللوبي الصهيوني في واشنطن لحملته الرئاسية. ترامب يحتقر كل ما هو اسلامي ووصوله الى السلطة يعني بالخط العريض ضوء اخضر لإسرائيل كي تبتلع ما تبقى من فلسطين دون اي رادع.
 
اما كلينتون فستواصل عهد اوباما في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، اي سياسة الاستنزاف البطيء دائما لصالح اسرائيل. وستواصل الاخيرة انتهاكاتها انما بقدر معلوم دون تخطي الخطوط الحمر، الا في حال اندلاع حرب عالمية جديدة.
 
الخليج
 
الملياردير يعنيه البزنس اولا، وكل ما يسمى علاقات تاريخية بين بلدين لا تساوي بالنسبة له اكثر من كيس شاي في فنجان. فترامب لم يخف ما سيسعى الى القيام به، اذ قالها مرارا «تريدون حماية الولايات المتحدة؟ انها ليست مجانا». لذا على العرب ان يتوقعوا سياسة اميركية انتهازية صارخة في عهد ترامب، وسيكون بمثابة بوتين الاميركي، انما على درجة اعلى من الانتهازية. ومن يدري فقد تكون شفافية ترامب واسلوبه الصريح المباشر في البزنس هو ما يفضل العرب التعامل معه.
 
من جهتها، ستواصل كلينتون السياسة الاميركية التقليدية مع الدول العربية، وقد تنتهج سياسة اكثر اتزانا من اوباما في ما يتعلق بالمصالح العربية في الشرق الاوسط عبر الحد من النفوذ الايراني نوعا ما.
 
العراق
 
لن يتردد ترامب في غزو العراق من جديد وربما ايضا على رأس تحالف مع بوتين يسعى من خلاله الزعيمان الى السيطرة على النفط العراقي بعد الاطاحة بإيران وجماعاتها من هناك بعدما يدخلاه اولا بذريعة القضاء على فلول داعش. فترامب اكد رغبته ارسال جيش اميركي الى العراق للقضاء على التنظيم الارهابي، وفي آخر المطاف قد تتحول الامور الى بزنس كالعادة.
 
اما كلينتون فستواصل العمل من اجل القضاء على داعش، لكن لا يتوقع ان تزعج النفوذ الايراني في العراق كثيرا في حال قدمت ايران بعض التنازلات في اماكن اخرى.
 
اليمن
 
عبر صفقة بزنس، قد يلجأ ترامب الى التدخل عسكريا مع التحالف العربي من اجل اطفاء تمرد الحوثيين في اليمن الى الابد. ففي النهاية، الحوثيون هم جماعة اسلامية مدعومة من ايران ومن السهل للملياردير تسويق ضربها امام الرأي العام الاميركي.
 
كلينتون من جهتها ستواصل السياسة الاميركية الحالية التي تحرص على علاقات جيدة مع الطرفين العربي والايراني على السواء. وتجدر الاشارة الى ان اليمن لم تذكر ولا مرة الا بشكل عابر ومقتضب جدا في تصريحات كلينتون طوال حملتها الرئاسية.
 
لبيبا والاتحاد الاوروبي وحلف شمال الأطلسي
 
لن تغفل اطماع ترامب عن آبار النفط الليبية التي حتى الآن اهملتها ادارة اوباما وتركتها لشركائها الاوروبيين. وفي حال اصبح الجمهوري رئيسا لن يتردد في تقليص حجم الشراكة مع بريطانيا ودول الاتحاد الاوروبي وحلف الاطلسي قاطبة، وسيدير ظهره الى هؤلاء جميعا ولن يترك لهم اي حصة في الجبنة التي من الاسهل له الحصول عليها في حال وضع يده بيد بوتين. وهو كان لوح مرارا للاطلسيين ان واشنطن ليست مسؤولة عن امنهم، وفي حال ارادوا شراكة حقيقية عليهم ان يزيدوا حجم مساهماتهم في الحلف العسكري، وهو امر يدرك ترامب جيدا عجز الاوروبيين عن القيام به حاليا في ظل الازمات الاقتصادية التي تثقل كاهلهم.
 
كلينتون على العكس من ترامب، ستحرص على عدم التفريط بمصالح حلفاء واشنطن التاريخيين. وستبذل ما في وسعها لصد اطماع روسيا في شرق اوروبا وانقاذ البلدان الاوروبية من الهزات الاقتصادية والمالية والاجتماعية. كما تدرك كلينتون مدى اهمية الحفاظ على تماسك اسرة الاطلسي وقدراته العسكرية امام التوسع العسكري الروسي في مناطق عدة حول العالم.

* المستقبل اللبنانية


التعليقات