الموقع بوست

"الموقع بوست" يزور عائلة الشهيد عمر دوكم في تعز.. ويروي قصة الحياة والاغتيال

[ عمر دوكم كان من الشخصيات المؤثرة في تعز ]

الموقع بوست - تعز - وئام الصوفي
الثلاثاء, 17 أبريل, 2018 06:29 مساءً

لم يكن الداعية الشهيد عمر عبد الله دوكم مجرد خطيب لجامع العيسائي بمدينة تعز فحسب، بل كان أهم خطباء ثورة 11 فبراير بساحة الحرية بتعز، وأحد الثوار المعروفين بشجاعتهم وتميزهم وإخلاصهم، وأحد أبرز الشخصيات الاجتماعية التي لها رصيد إنساني، وتأثير فاعل في محيطها.

ومنذ بداية الانقلاب على السلطة الشرعية، عُرف دوكم برفضه لانقلاب مليشيا الحوثي وقوات صالح على السلطة الشرعية، وكان مناصراً ومؤيدا لشرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي.

عمر دوكم المولود في عام 1976م ينتمي إلى عزلة أديم إحدى عزل مديرية الشمايتين في الحجرية بمحافظة تعز، عاش وتربى في مدينة تعز، وكان قدوة لسكان حي المسبح الذي كان يقطن فيه، ويشهد له من عايشه هناك بالوسطية والاعتدال، وكان بحقٍّ قدوةً في محرابِه ومنبره، شجيَّ الصَّوتِ، فصيحَ اللِّسان، مسموعَ الكلمة، و محبوباً عند الجميعِ.

اجتمعت في شخصية عمر دوكم السياسي والناشط المدني، والكاتب والمثقف والأديب، وكان رمزاً للتنوير والحوار والتسامح، داعيا ومبشرا بقيم المدنية والحقوق والحريات والمواطنة المتساوية والتعايش والسلام.

حياة دوكم التعليمية

دوكم كان أحد خريجي كلية العلوم الإدارية، قسم إدارة أعمال، جامعة تعز، وكان داعية وصوت الحق لهموم اليمنيين، وعمل في تدريب نشطاء من محافظتي عدن ولحج على الديمقراطية وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى تدريب فريق عمل منظمة أكسس بلاس للحد من عمالة الأطفال في عدن.

وبالاضافة إلى ذلك، عمل مسؤولاً إعلامياً بنادي الرشيد الرياضي والثقافي، وصعد النادي خلال تلك الفترة إلى درجة الممتاز (ثقافياً)، كما رأس وشارك في تنظيم العديد من المراكز الصيفية والمخيمات الشبابية والمهرجانات الإعلامية الجماهيرية، وكان مدرباً معتمدا في العلوم الإدارية والتنمية البشرية وحاصلاً على "البورد الأمريكي" في البرمجة اللغوية العصبية (شهادة دبلوم)، وحائزاً على درع ملتقى المرأة للدراسات والتدريب "WFRT" لفعاليته في المجتمع.

قصة الشهادة

أصيب عمر دوكم يوم الجمعة الموافق 30 مارس من العام الجاري برصاص مسلحين مجهولين يستقلون دراجة نارية، أثناء خروجه من جامع العيسائي ليفارق الحياة بعد ثلاثة أيام من إصابته، ورحل عن عمر لا يتجاوز الـ42 عاماً، مخلفاً وراه ابنتان وولدان وزوجة لم يمضِ على زواجه منها سوى أربعة أشهر.

وفي مشهد يدمي القلب ألما استقبلت أسرة دوكم خبر استشهاده بصدمة وحزن، مشهد أصعب من أن تصفه الكلمات.

"شهيد الوسطية والاعتدال"، هذا اللقب الذي أطلقته زوجته عليه، والتي قالت لـ"الموقع بوست" -أثناء زيارة لها في المنزل- إن "عمر  يستحق أكثر من لقب، لأنه كان مدرسة في كل شيء، في أخلاقه وجهاده وحبه للآخرين، ومدرسة في حياته الأسرية والزوجية، وتربيته لأبنائه، وفي تعامله مع جيرانه والأطفال، ومع كل من يلقاه حوله".

وتضيف وهي تتحدث عن زوجها: "كان متواضعاً لا يعجبه الظهور، شحيح بالحديث عن نفسه، يعيش حياة البسطاء، ينحني للطفل والعجوز، ويعطي الطفل أهميته، وكان مرحاً مع كل الناس، حتى لو كان مهموماً تراه مبتسماً، إذا طلب منه شيء أو عمل محدد كان ينتفض له بكل جاهزية بالمال بالنفس والوقت، لم أجده يوماً ينام عن عمله أو شيء كلف به بل كان عنده فكرة فعل الخير هو الأهم بالحياة. كان يحثنا دائما، ويشدد على أهمية التعامل مع الناس بصدق واتزان، والتعاون معهم وأن الدين الصحيح هو المعاملة".

أما عن عمر ما قبل اغتياله فتضيف زوجته لـ"الموقع بوست": "قبل استشهاد عمر بشهر تقريبا كانت له خطبة  في ساحة الحرية عن الاغتيالات، وتكلم عن الإمارات والتحالف، وتلقى اتصالات من أصدقائه عاتبوه فيها عما ذكره في تلك الخطبة، وأنا عاتبته أيضاً، وقلت له لماذا تعرض حياتك للخطر أنت وأولادك؟ فقال لي كلمة اسكتتني وهي: ما بالك باثنين ثالثهما الله".

وتتابع زوجة عمر والدموع تنهمر من عينيها وتقول: "كان عمر همه الوحيد أنه يوصل رسالة للناس ليرفع وعيهم، والهدف من ذلك هو توعية الناس بمخاطر الاغتيالات وتأثيرها على حياة المجتمع، والمصير المحتقن الذي ينتظرهم، عندما تزداد هذه الأعمال داخل المجتمع".

انهيار ووداع

وعن يوم اغتيال عمر تقول زوجته: "يوم الجمعة قال لي إنه لن يخطب في تلك الجمعة في مسجد العيسائي، وسيخطب مدير الأوقاف بتعز، وطلبت منه أن يصلي في أٌقرب جامع للمنزل، لكنه أصر على الذهاب، بمبرر أنه يريد أن يستمع لما سيقوله الخطيب، وأخذ كوفيته التي يرتديها أثناء الخطبة، وسلم على والدته، وذهب للمسجد".

وأضافت: "وفي تلك اليوم، وعلى غير العادة،  تأخر عن البيت وانتابني القلق، اتصلت به المرة الأولى ولم يرد على الاتصال، ثم اتصلت ثانية، وتفاجأت أن الهاتف مغلق، وبعدها تفاجأت بعمتي أم عمر تدق الباب عليّ، وقالت إن عمر تعرض لحادث، ثم أبلغوني بالخبر الكارثي أنه تعرض لمحاولة اغتيال، وذهبت لزيارته في المستشفى وهو بالعناية المركزة، وكان يحاول يفتح عيناه".

وبالنسبة لابنته الكبرى "آيات" (15 عاما) فقد استقبلت خبر اغتياله بانهيار وصدمة، وذهبت على الفور إلى المستشفى، فانهالت عليه بدموعه واحتضنته في لحظات حزن لا توصف، غير مصدقة أن والدها المشجع لها على الدوام قد تركها.

وبتنهد وبحرقة تحدثت آيات لـ"الموقع بوست" قائلة: "أبي كان لي دائما كصديق، كان يعطينا من وقته كثيرا، ويلعب معنا، ونتابع برامج مع بعض، وفي وقت صلاة الفجر كان يوقظنا للصلاة، وكان دائما يقول لي أنتِ الكبيرة بين إخوانك، وأنا أثق بك، ويوم الخميس قبل اغتياله بيوم جلس معنا في الليل، وشرح لي أنا وأختي بيان وأخي أحمد عن الكرة الأرضية ضمن الدروس التي كان يعطيها لنا من وقت لآخر".

في مكتبة عمر

في غرفة صغيرة، توجد العديد من الكتب، بعضها مرصوف في صناديق (كراتين)، وبعضها تم وضعها على ماسة خشبية، وتلك كانت مكتبة عمر التي تفتقده اليوم.

وحول ذلك تقول زوجته لـ"الموقع بوست": "كان عمر يقضي الليل بالقراءة، ويصلي الفجر، وينام القليل، ويصحو ليقضي أعماله الدعوية. كان يخطب يوم الجمعة خطبته الأسبوعية، ويظل طوال الأسبوع يعد للخطبة القادمة، ولذلك كان استهدافه متعمدا، لأنه كان يخاطب العقل والتفكير، ويهتم بما يريد أن يوصله للناس، ويبذل جهده في تقديم خطاب موزون، وكان هذا ينعكس في تلقي الناس لتلك الخطب، والتأثير الذي تحدثه فيهم، فلم تكن خطبته الأسبوعية خطبة تقليدية، بل كان حريصا على تقديم رسالة بثراء معلوماتي، ويركز على القضايا التي لها اهتمام في حياة الناس، وتتصل بتفاصيل حياتهم اليومية".

وتشارك آيات في الحديث قائلة: "كنت أقول لأبي إن الكتب كثيرة في منزلنا، وكان يقول لي: هذه الكتب لكم، لأنكم الجيل الجديد الذي ينبغي أن يقرأ، وكان يخصص لنا وقتا للقراءة، ويساعدنا على مراجعة واجباتنا المدرسية مع بقية إخواني، وكان يخصص لنا وقتا للمذاكرة من الساعة الرابعة عصرا حتى الثامنة مساء، والساعة التاسعة مساء كان موعد نومنا اليومي".

رسائل للقتلة

أم الشهيد عمر المسنة رفضت التقاط صور من المنزل، أو لأولاد عمر، وقالت: "لا أريد أن أتصور ولا بنات عمر أيضا، أريد قتلة ابني عمر، وأطالب الأجهزة الأمنية والسلطة المحلية بتعز ومحافظ المحافظة بسرعة القبض على القتلة وتقديمهم للعدالة".

زوجة عمر وجهت رسالة لقتلة زوجها الذي وصفته بأنه لم يكن مجرد زوج لها فحسب، بل كان الزوج والأب والأم بسبب نشأتها كيتيمة، وتقول: "أقول لقتلة عمر سينال الله منكم، والقاتل مبشر بالقتل ولو بعد حين، وأقول لبقية خطباء المساجد واصلوا مابدأ به عمر، لا تخافوا لأن عمر لم يكن يخاف أبدا، ولذلك وفاءً لعمر واصلوا رسالته التي بدأها، وإن ذهب عمر، فهناك بالتأكيد مليون عمر سيأتي".

أما ابنته آيات فقد اختتمت حديثها قائلة: "قاتل أبي أراد أن يسكت كلمة الحق، ولكن تذهب الأجساد وتبقى الأرواح، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. قتلوا أبي وظنوا أنهم سيسكتوا الحق، ولكن سيولد ألف صوت، وسيظهر الله الحق، وسيمزق الباطل". بينما قالت أختها بيان: "قاتل أبي سيندم وعمر دوكم لم يمت فهو حيٌّ في قلوب الناس".

صديق عمر يتحدث

الداعية المعروف ممدوح الحميري كان من المقربين من عمر دوكم وأحد أصدقائه، وكان رباط الأخوة بينهم قوياً، اختير خطيبا لمسجد العيسائي، خلفا لصديقه عمر دوكم وامتدادا لمدرسة الوسطية والاعتدال التي سار عليها الشهيد عمر دوكم.

وتحدث ممدوح الحميري لـ"الموقع بوست" قائلاً: "معرفتي بالشهيد عمر دوكم بدأت منذ سنوات دراستنا الثانوية حيث كنا زملاء دراسة أيام المعاهد العلمية في معهد تعز العلمي، وقد كان الشهيد كما هو منذ عرفته ذو ذكاء متميز وعقل راجح، وكان بسيطا في تعامله، راقٍ في أخلاقه، متجددا في قراءته وبنائه المعرفي، كل ذلك أهّله ليكون قائدا للقلوب منذ بواكير حياته، فتعلق به الشباب بالذات بشكل كبير جدا، وبادلهم حبا بحب، فكان مستودع أسرار الكثيرين، وموضع استشارتهم بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم، فقد كان يرفض النظر لأي إنسان عبر أي فلتر مصطنع، بل كانت الإنسانية هي معياره الأوحد في التعامل مع الإنسان".

وأضاف الحميري: "أيضا عرفت عمر رياضيا فقد كنا معا في فترة ممارستنا لرياضة الحديد في نادي محمد علي نصر".

ومن أبرز مواقف الشهيد عمر دوكم يقول ممدوح الحميري: "سأذكر من مواقف الشهيد التي شهدتها مواقفه في إنصاف المخالفين، فقد كان دائما ما يؤكد على التحري لمعرفة الحقيقة فيما ينقل إليه ثم يعذر كل صاحب رأي مخالف، وإن كان يمسه شخصيا، كما كان رحمه الله مرهف الإحساس أمام معاناة الناس، فأي موقف مؤلم يثير حزنه حد البكاء، ولكنه لا يكتفي بذلك بل يبادر بالبحث عن الحل وإشراك الجميع في صناعته ومد يد العون لمن يستحق".

ويضيف الحميري: "لا يخفى على أحد مدى حب عمر دوكم للوطن إجمالا ولتعز خصوصا، فقد حمله ذلك على سهر الليالي والشهور باحثا في تاريخنا الوطني، ومنقبا عن محطات القوة وعثرات التآمر، ليعيد بناء المعنويات بإحياء ذكريات أبطال الوطن وثواره، وليكشف في ضوء مؤامرات الماضي امتداداتها في الحاضر. كان حصيفا جدا وهو ينتقي ويبسط للناس ما مضى من تاريخهم رغم الالتباس الذي حف كتابة التاريخ الوطني ومحاولات التشويه التي لعبها المستبدون اليوم".

ويتابع الحميري: "من أجمل صفات الشهيد عمر دوكم أنه كان أحسن الناس إنصاتا وحرصا على الاستماع أكثر من الكلام، وكانت أجمل لحظاته هي التي يجد فيها من يطارحه الفكر، ويبادله المعرفة، وكان قريبا من جمهوره محبوبا محبا، وأصدق إجابة على علاقته بجمهوره تلك السيول البشرية التي تدفقت لحظة وداعه تشيعه بدموعها، ثم خرجت وما زالت وستخرج مطالبة بحقها في القصاص من قاتليه".

بالنسبة للفراغ الذي تركه الشهيد عمر دوكم يقول الحميري: "لم ولن يملأه أحد، فإن امتلك فصاحته أحد فلن يجمع إليها ثقافته وعلمه، وإن امتلك الاثنتين أحد فسيبقى تفوقه الخلقي، وسموه النفسي، وتجرده القيمي علامة فارقة لم تكن إلا لعمر رحمه الله".

وعن الاغتيالات في تعز  يقول الحميري: "بالنسبة لموضوع الاغتيالات في ظل الانفلات الأمني وهشاشة دور السلطة المحلية كان متوقعا في أي لحظة، ويبدو أن مؤشرات اغتيال الدعاة في تعز بدأت التهيئة لها، ونسأل الله أن يلطف بهم ويأخذ لشهيدنا عمر دوكم بدمه".

وفي الختام قال الحميري: "لدي رسالة هي رسالة أخي الشهيد عمر دوكم حين قال :أين موقفكم الأخلاقي؟ ونحن نعيدها للسلطة وللناس ولأنفسنا، وما زال موقفنا الأخلاقي غير كاف لتأديب القتلة وفضح مؤامراتهم والأخذ بحق شهيدنا الذي كان يحمل الوطن كله في قلبه، وعلى الوطن اليوم أن يحمله ويحمل مشروعه، ويعبر به إلى مستقبل دولة مدنية منشودة".


لمتابعة الموقع على التيلجرام @Almawqeapost