الموقع بوست

السعودية ومشايخ اليمن.. استقطاب يكرر سيناريو الماضي

[ شخصيات من تهامة أثناء لقائها بالأمير السعودي فهد بن تركي ]

الموقع بوست - عامر الدميني
السبت, 28 يوليو, 2018 03:30 مساءً

أعادت المملكة العربية السعودية ورقة المشايخ في اليمن إلى الواجهة، وذلك ضمن سياق الإجراءات التي تحاول القيام بها لتحقيق مكاسب في اليمن، امتدادا لذات السياسة التي انتهجتها في تعاملها مع جارتها الجنوبية منذ عقود.

وتمثل سياسة الاستقطاب لفئة المشايخ أحد أدوات التدخل السعودي في اليمن، وعبر ما يسمى باللجنة الخاصة التي تتشكل من شخصيات أمنية سعودية بينها رئيس الاستخبارات السعودية، والسفير السعودي لدى اليمن، جرى منذ عقود إقامة شبكة واسعة من العلاقات بين الرياض ومشايخ القبائل في اليمن، وخصصت لهم أموال طائلة، كجزء من شبكة النفوذ التي تمثل إستراتيجية السعودية في اليمن.

بدأت هذه العلاقة خلال الحرب التي نشبت بين الجمهوريين والملكيين (1962م-1970) حين دعمت السعودية شخصيات قبلية لقتال الجمهوريين، سعيا منها لإخماد جذوة الثورة السبتمبرية، التي رأت فيها تهديدا مباشرا لنظام حكمها الملكي.

ومع انتهاء تلك الحرب بانتصار الصف الجمهوري، اتجهت الرياض لخلق شبكتها الخاصة في اليمن، متخذة من مشايخ القبائل أحد أدوات وأوجه النفوذ لها داخل اليمن، وكان ذلك على حساب الدولة اليمنية والنظام السياسي الحاكم، وعلى حساب ملفات التنمية أيضاً.

تلك الإستراتيجية أثمر مفعولها خلال سنوات السبعينيات وحتى نهاية العقد الأول من القرن الـ21، واستطاعت الرياض أن تعزز من حضورها في الداخل اليمني عبر أولئك المشايخ، وأدوات أخرى تعمل ضمن شبكتها، وظل الأمر قائما  حتى جاء انقلاب الحوثيين منتصف العام 2014م، وهتك تلك الشبكة، ومن الملفت هنا أن ما فعله الحوثيون كان بدعم مالي من السعودية، لتسقط بذلك أحد أوراق الرياض التقليدية داخل اليمن.


شخصيات من صعدة مع مسؤولين سعوديين

ومع سيطرة الحوثيين على السلطة في اليمن، أفرز هذا الواقع معطيات جديدة، وجاءت الأعمال العسكرية التي أعلنها التحالف العربي ليضاعف حدة الانقسام داخل اليمن، وتسببت تلك الحرب، وقبلها إجراءات الحوثيين بنزوح الكثير من القيادات السياسية والمشايخ والإعلاميين والناشطين إلى خارج اليمن.

استقبلت السعودية العديد من تلك القيادات بما فيهم المشايخ، لكن هؤلاء ظلوا مجرد أوراق خاوية لدى الرياض، ثم عملت لاحقا على دعم العديد منهم لقيادة جبهات داخلية في اليمن لمواجهة الحوثيين، وقدمت الأموال الطائلة طوال السنوات الثلاث الماضية، في محاولة لتشكيل كيانات مقاومة للحوثيين، غير أن الواقع لم يتغير.

استقطاب جديد

عملت السعودية على تحريك المشايخ، والتقى ولي العهد محمد بن سلمان بجموع منهم في الرياض قبل أكثر من عام، وانتهى اللقاء ليعود هؤلاء إلى مساكنهم في الرياض.

ومع استمرار الحرب لأكثر من ثلاث سنوات، وعدم تحقيق انتصارات ميدانية للسعودية داخل اليمن، سعت الرياض لإحياء ورقة المشايخ من جديد، خاصة في الجبهات التي ظلت مشتعلة، وتفتقر لأي انتصارات ميدانية، ومن بينها جبهة صعدة (شمالي اليمن) والساحل الغربي في الحديدة (غربي اليمن) والذي يشمل معظم مناطق تهامة.

في الرياض جرى تنظيم العديد من الفعاليات تحت مسمى مشايخ صعدة بحضور قيادات أمنية سعودية رفيعة بينها ناطق التحالف العربي تركي المالكي، وخرج سفير السعودية في الولايات المتحدة خالد بن سلمان بتصريح (تغريدة في تويتر) يؤكد أن مشايخ صعدة أعلنوا رفضهم للمشروع الإيراني، ودعمهم للتحالف العربي ضد الحوثيين.


من فعالية لشخصيات من صعدة مع الجانب السعودي

وتحت العديد من اليافطات التي أنشئت حديثا يعمل أولئك المنتمون لصعدة من المشايخ من بينها ما يسمى "المجلس الأعلى لأبناء محافظة صعدة"، ويتشكل من عدة شخصيات معظمها لا علاقة لها بمشايخ القبائل في مناطق صعدة.

وعقب تلك اللقاءات التي نشرتها وسائل إعلام سعودية سعى أولئك المشايخ للحصول على المباركة الرسمية، وتمثل ذلك بلقائهم مع رئيس الوزراء أحمد عبيد بن دغر، الذي التقى بوفد منهم في العاصمة السعودية (الرياض) مشيدا بدورهم في عملية تحرير صعدة.

في نفس الاتجاه واصلت الرياض عملها في أوساط المشايخ، لكن هذه المرة مع مشائخ تهامة، وهي الإقليم الذي يتكون من أربع محافظات (الحديدة، ريمة، حجة، المحويت) وأغلبها لا تزال تحت سيطرة الحوثيين.

وفي مدينة جيزان القريبة من الحدود اليمنية عقدت لقاءات ضمت مشايخ من المحسوبين على تلك المناطق، بحضور ورعاية قائد القوات المشتركة التي تقاتل في اليمن الفريق ركن فهد بن تركي بن عبدالعزيز.

التصريحات التي أطلقها الحاضرون من كلا المنطقتين تمحورت حول التصدي لما يصفونه بالمشروع الإيراني في اليمن ممثلا بجماعة الحوثي، وتجديد الشكر للسعودية والإشادة بدورها، وهي أبرز القضايا التي دأب الإعلام السعودي على تكرار ترديدها.


من لقاء شخصيات تهامة بالجانب السعودي

الدلالات والأبعاد

أبرز ما يلفت الانتباه في تلك التحركات هي أنها تعد تكرارا لذات السيناريو الذي دأبت عليه الرياض من قبل في تعاملها مع الملف اليمني، من دعم لفئة المشايخ على حساب الدولة، ويجري الآن استنساخ ذات التجربة، على حساب الشرعية الحالية كنظام سياسي، وعلى حساب مشروع الدولة المستقبلي الذي ناضل اليمنيون لأجله.

هذه التطورات أيضاً تأتي في زمن مختلف عن حقبة الستينيات من القرن الماضي، والمراهنة على هؤلاء الآن ليس سوى ضربة حظ، فهؤلاء يفتقدون للفاعلية والتأثير بسبب عدم تواجدهم على الأرض، وفقدانهم لوسائل التحشيد لدى أتباعهم، بسبب تواجدهم خارج اليمن، واستمرار القبضة الشديدة للحوثيين على تلك المناطق.

ومن خلال استعراض أسماء تلك الشخصيات المشاركة، يتضح أنها لا تتمتع بالثقل الكافي للعب دور مستقبلي في مناطق نفوذها المفترضة داخل اليمن، كما أن بعض تلك الأسماء جرى تصعيدها لتحمل لقب "شيخ" دون أن يكون لها أي ارتباط حقيقي، ما يجعل الأمر مجرد حشد إعلامي، وكرت تلوح به الرياض من وقت لآخر.


شخصيات من محافظات تهامة خلال لقاءها بالجانب السعودي

يتعلق الأمر أيضا برغبة السعودية في الاحتفاظ بأدوات تبقى قابلة للعب أي دور داخل اليمن، وهذا الاهتمام بفئة المشايخ يجعل أولئك يعملون لصالح السعودية وأجندتها، وليس لصالح الدولة اليمنية، كما أنه يعكس بأن السعودية لا تزال تتعامل مع اليمن وفق نظرتها التقليدية، وتميل لخلق مراكز نفوذ بعيدا عن مؤسسات الدولة.

وجاءت هذه الانتباهة السعودية عقب عملية الاستقطاب الواسعة التي قام بها الحوثيون في أوساط من تبقى من المشايخ داخل اليمن، عبر العديد من الكيانات التي أنشؤوها في مناطق سيطرتهم، ومن أبرزها مجلس حكماء اليمن الذي يتكون من مشايخ قبائل، ويجري استخدامهم من قبل الحوثيين لخدمة أجندتهم أيضا.

هذه الخطوة من قبل الحوثيين دفعت الرياض لضخ الدم من جديد في أولئك المشايخ الذين تحتفظ بهم، لمواجهة جماعة الحوثي في اليمن، لكن في ظل ظروف مختلفة، وبنفس الأدوات القديمة.

إعادة قراءة

الباحث والمحلل السياسي نبيل البكيري اعتبر الاهتمام السعودي بالمشايخ ليس بجديد، ويصفه بالقديم، معتبرا أن  الإستراتيجية السعودية في اليمن قامت بدرجة رئيسية على الاعتماد على سلطة المشايخ، الذين جذرت معهم مثل هذا التعاون منذ زمن بعيد.

البكيري في حديثه لـ"الموقع بوست" أشار إلى أن السعودية أقامت علاقات في اليمن مع المشايخ وبعيدا عن الدولة، ويرى بأن هذه الخطوة في الوقت الراهن تعد تكرارا لذات السيناريو الذي سارت عليه الرياض، والذي يركز على مراكز النفوذ التقليدية التي لم يكن لها دور إيجابي سواء بالاحتفاظ باليمن، أو في خدمة المصالح الإستراتيجية السعودية بالبلاد، والقائمة على حفظ أمنه، حتى لا يصدر مشكلاته إلى الخارج.

ويرى البكيري أن السعودية بحاجة لإعادة قراءة تجربتها التاريخية مع اليمن، والعمل على بناء وجود دولة قوية بالبلاد؛ لضمان أمن واستقرار السعودية في المقام الأول، وأضاف: "وجود دولة هشة كالتي كانت في عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح، يهدد المملكة وأمنها واستقرارها، وخطر إستراتيجي كبير"، مؤكدا أن البديل هو وجود يمن قوي والتحالف مع الحكومة بندية وشراكة.


شخصيات من صعدة خلال لقائها رئيس الوزراء بالرياض

رد فعل متأخر

المحلل المتخصص بالشأن العسكري علي الذهب رأى اهتمام السعودية بالمشايخ من زاوية مختلفة، ووصف ما يجري بردة الفعل المتأخرة، والتي جاءت مقابل تحركات الحوثيين في ظرف السلام الذي أتاحته جولات المبعوث الأممي مارتن غريفيت.

وضمن حديثه مع "الموقع بوست" قال الذهب إن التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن يحاول تحييد نفوذ حزب الإصلاح في الحديدة، وبناء مراكز قوى يدين لطرفيه بالولاء، لا سيما أن فرصة الحل السلمي للحديدة يمكن أن تتحقق، فإن لم تتحقق فسيكون الدور مصاحبا للحرب وتاليا لها.

وأضاف: الآن، التنافس على الساحل الغربي بين الإمارات والسعودية، يتجلى في أنصع صورة، وليس ذلك سوى مظهرا لهذا التنافس، وشدة هذا التنافس يكشفها كذلك الاهتمام بالضفة الأخرى من ساحل البحر الأحمر، في إرتيريا وإثيوبيا، ولعل التفاعل السياسي النشط لكل من السعودية والإمارات في هاتين المنطقتين يكشف حجم الأهمية لكل منهما.

وختم تصريحه بالقول: "يكفي أن نعلم بأن ميناء الحديدة سيكون ضمن الموانئ التي توظف مراحل إعداد مشروع مدينة نيوم"، وهو المشروع الذي يتزعمه ولي العهد السعودي في بلاده.


لمتابعة الموقع على التيلجرام @Almawqeapost