فيصل علي يكتب لـ"الموقع بوست": ثلاث سنوات من العاصفة .. ماذا بعد؟
- خاص الإثنين, 26 مارس, 2018 - 10:17 صباحاً
فيصل علي يكتب لـ

[ فيصل علي ]

"اِختاري الحبَّ.. أو اللاحبَّ
فجُبنٌ ألا تختاري..
لا توجدُ منطقةٌ وسطى
ما بينَ الجنّةِ والنارِ".. نزار قباني
 
 في مثل هذا اليوم ظننتُ كغيري من أبناء الشعب اليمني - إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ- أن تحالفاً عربياً هزه الشوق لأصله اليمني فجاء لينقذنا، فكانت  العاصفة في بدايتها تشبه "أول الحب" و استحقت إسمها بجدارة، كانت بمثابة إحياءً للأمل الذي فقدناه في إنقلاب الحوثي- صالح و قوى الحداثة بدءًا من دماج صعدة مروراً بعمران و إنتهاءً بإحتلال صنعاء عبر عملية قيصرية صغيرة طرب لها من طرب و رقص لها من رقص و أستشهد فيها من أستشهد و شبع قهراً و كمداً كل الأحرار.
 
ثلاثٌ عجاف مرت دفع فيها شعبنا فاتورة الدم و الدمع و زادت أوجاعهم من التشرد و البعد و الجوع و الحرمان، و ارتفعت أرصدة مشرفي الحوثي و أرصدة سفهاء الشرعية و مرتزقتها - شققهم في القاهرة شاهدة عليهم- و تم تهريب الأموال إلى كندا و ماليزيا و الإمارات و مصر و لبنان و غيرها، و كما هدمت منازل اليمنيين ارتفعت منازل الحوثيين في العاصمة صنعاء، و زادت أراضيهم و أملاكهم، و لا كأن هناك عاصفة تضرب و لا حرب و لا طلعات جوية و لا قصف بطائرات ال F15 المطورة.
 
هذه الحرب بحاجة إلى تقييم جذري، من حيث تحقيق أهدافها المعلنة، وتوافقها مع آمال وطموحات شعبنا وشعوب المنطقة، فهل تحقق الأمن القومي العربي؟؟، وهل استمرت كما بدأت أهدافها؟؟، وما هي نتائجها على الأرض؟؟، وهل هناك نسبة بين تكاليفها الباهظة وبين نتائجها؟؟
 
تحدثت سابقاً أن كل الحروب عبر التاريخ لديها قيادة عسكرية موحدة، فمن هو قائد هذه الحرب من ناحية عسكرية صرفه؟ لا يوجد فيها سوى غرفة عمليات مشتركة، فمن قائد الغرفة؟ لا أحد، فمن يتحمل النتائج إن حلت الهزيمة؟ التاريخ سيكشفه.
 
في هذه الحرب منذ بدايتها لم تتوحد الثلاث جبهات المعنية بالمواجهة معاً، فقد ظلت الجبهة العسكرية موزعة بين نزق عيال زايد وبين السعودية وبين الجيش الوطني المتلقي للتوجيهات الكثيرة والدعم المحدود جداً.
 
كما أن الجبهة الإعلامية ظلت تعمل ضد الجبهة العسكرية طيلة هذه الحرب، فقد فشلت قنوات دول التحالف في دعم أهداف التحالف و عملت بوضوح في إدخال الناس في معارك وهمية و انتصارات وهمية، و استردت جبهة الإعلام وحدها 85% من الأراضي اليمنية الواقعة تحت سلطة الانقلاب، و عند التدقيق في الرقم لم نجد مع الشرعية من هذه الأراضي سوى بضعة شوارع في تعز و بعض أجزاء مأرب و الجوف و متارس في جبال نهم و الوادي من حضرموت، أما البقية فموزعة على الحركة الإرهابية الحوثية و على الإمارات و نخبها و أحزمتها المضادة للشرعية اليمنية و للشعب اليمني.
 
أما الجبهة السياسية فقد حصلت في بداية العاصفة على القرار 2216 وهو أهم قرارات مجلس الأمن في الشأن اليمني على الإطلاق و لعبت الخارجية السعودية الدور الأبرز في استصداره و تم شراء صمت و تصويت روسيا في مجلس الأمن بنحو 16 مليار دولار من صفقة المفاعلات النووية السعودية، لكن إطالة فترة الحرب دون تحقيق شيء ملموس على الأرض أنهى الأهمية الإستراتيجية لهذا القرار، و انتهكت الإمارات هذا القرار بإنقلابها الذي نفذته في عدن و حضرموت وسقطرى و المخا و الساحل الغربي ضد الشرعية، مما جعل القرار الذي ينص على وحدة اليمن و سلامة أراضيه على المحك.
 
لم تنجح دبلوماسية التحالف واليمن في إبراز القضية اليمنية وحقيقة الوضع في اليمن وظل العالم يردد أن السعودية تقصف اليمن إلى هذه اللحظة، وتم إبتزاز السعودية من قبل المنظمات والحكومات.
 
كما إن إضعاف الشرعية ومكوناتها (المتعمد) من قبل الرياض وأبو ظبي أضعف التحالف ذاته وأضعف حجته ومنطقه المتناقض أمام الشعب اليمني وشعوب المنطقة، كما إن إختلاق التحالف لمعركة خليجية داخلية بين السعودية و الإمارات من جهة و بين قطر من جهة أخرى أضعف سمعة التحالف و أظهر كم هو هشً وتائه داخل الخليج و اليمن، و قد استفادت إيران و عصابتها الحوثية في اليمن من هذا الوضع بشكل أو بأخر.
 
 
من ناحية أخرى، إن إضعاف الشرعية والاستخفاف بها و بمكوناتها و عدم دعم الجيش الوطني و مساعدة الانقلاب في محاصرة الشعب اليمني، و الذهاب لحوارات سرية منفردة مع الحوثة و دعم مخططات الإمارات في عدن و حضرموت كانت نهاية كل ذلك.. وصول الصواريخ البالستية إلى الرياض ومدن سعودية أخرى بعد ثلاث سنوات من قصف التحالف المتواصل لكل المواقع التي تسيطر عليها عصابات الحوثي.
 
التحالف بحاجة ماسة إلى مراجعة شاملة لسياساته و تخبطه على كافة المستويات،  و هو بحاجة أولاً إلى تقييم ذاتي، و ثانياً إلى مراجعة أهداف التحالف و إعادة إعلانها من جديد، و إعادة النظر إلى الأخطاء التي أرتكبها التحالف في حق الشعب اليمني وفي حق المغترب اليمني و في حق الشرعية التي اهتزت صورتها أمام الشعب اليمني و أمام العالم، لأن التحالف تعامل معها كمكون من مكونات المشهد اليمني لا كممثل شرعي و وحيد لليمن، و ساوى بينها و بين مرتزقة الإمارات في عدن، وميليشيات الحوثي في صنعاء، و على إثر ذلك تخبطت الخارجية السعودية في عملها وفي تصريحات وزيرها المتناقضة.
 
لا ننسى هنا أن تعامل مكونات الشرعية إعلامياًً مع أخطاء التحالف كان سيئاً للغاية فقد أتصف بالمجاملات التي لا تفيد التحالف و لا تفيد الشرعية و لا تفيد العاصفة و أهدافها المعلنة، المجاملات على حساب القضية أضعف الشرعية و جعلها تبدو معزولة في أحد فنادق الرياض، كما أن طاقات الشرعية و مكوناتها أُنهكت بالفوضى و تم ترويضها على الصمت و على البحث عن مكاسب شخصية من تعيينات و غيرها، مما جعل هذه المكونات بعيدة كل البعد عن القضية اليمنية و زادت في بعدها عن الشعب اليمني.
 
لقد انتقلت السعودية في تعاملها مع الشرعية من فيز المجاملة في مواسم الحج والعمرة إلى فيز العبور أيام الحرب والعاصفة، ومنحت الوزراء والوكلاء المرتبات والأموال التي جعلتهم يبدون كباعة متجولين لا علاقة لهم بشعبهم الذي يعاني ويلات الحرب والحصار.
 
و بدت صورة هادي الرئيس النائم على جراح شعبه كدمية يتلاعب بها التحالف، ربما الرجل ليس كذلك "و المخرج عايز كذا" ، لكن الشعب اليمني يراقب أدائه وينظر إلى مدى الخذلان الذي حققه النائب الذي أصبح رئيساً منفياً و غير قادر على العودة إلى اليمن بقرار مسبق من التحالف الهش لدعم الشرعية الهشة.
 
 
تجار الحروب في هذه المعركة ليسوا أناس عاديين، ليسوا يمنيين ولا خليجيين ولا شرقيين، بل هي شركات الأسلحة التي تبتز التحالف عبر وكلائها الذين قدموا "منيو" الاسلحة لولي العهد السعودي علناً في واشنطن دي سي وكأنه في مطعم وجبات بحرية، هذه الشركات العالمية هي نفسها من تبيع المنظومات الصاروخية للحوثي، وهي من تلتزم بتوصيلها إلى اليمن، هذه الشركات لا تخسر أبداً وسواء كانت فروعها في واشنطن أو في موسكو فإنها محكومة بالربح فقط.
 
طيلة ثلاث سنوات حرب ظل الحوثي وسلالته النجسة المتدثرة بالهاشمية السياسية لعنة على اليمن ووباءً يتوجب التخلص منه وثأراً قديماً تجدد ولابد أن تتم محاسبته شعبياً واجتماعياً وستدفع الهاشمية السياسية الثمن عاجلاً أو آجلاً، ففاتورة الحساب تكبر على الدوام.
 
لن يدفع الحوثي وعصابة الهاشمية السياسية الفاتورة عن الأخطاء التي ارتكبوها عمداً في حق الشعب اليمني وحدهم، بل سيدفع التحالف ثمن أخطائه، وستدفع الشرعية ومكوناتها ثمن أخطائهم، ومن سمح بالخسارة العسكرية والسياسية والإعلامية أمام عصابة إرهابية طائفية مدعومة من إيران لابد أن يُدفعه التاريخ ثمناً باهظاً لكل هذه الأخطاء الجسيمة.


التعليقات