والدة أسامة بن لادن تكشف أسراراً للمرة الأولى عن الرجل الذي لاحقته أميركا لسنواتٍ.. كان محبوباً، والسعوديون احترموه كثيراً
- عربي بوست الثلاثاء, 07 أغسطس, 2018 - 10:37 صباحاً
والدة أسامة بن لادن تكشف أسراراً للمرة الأولى عن الرجل الذي لاحقته أميركا لسنواتٍ.. كان محبوباً، والسعوديون احترموه كثيراً

[ والدة أسامة بن لادن ]

على أريكة في زاوية غرفة واسعة، جلست امرأة ترتدي ثوباً مزخرفاً بألوان زاهية جلسة المترقِّب.

ويظهر انعكاس الحجاب الأحمر الذي يغطي شعرها في خزانة ذات واجهة زجاجية، بداخلها، وضعت والدة أسامة بن لادن صورة لابنها البكر في إطار بمكانٍ بارز بين ممتلكات العائلة الموروثة وأشيائها الثمينة. وكان الشخص الذي في الصورة رجلاً مُبتسماً، ذا لحية، ويرتدي سترة عسكرية، ويظهر في عدة صور بأرجاء الغرفة، منها صورة مسنودة على الحائط عند قدميها، ومثبَّتة على مدفأة صغيرة.
 
وُضع العشاء المكون من المزة السعودية وكيكة الجبن بالليمون على طاولة طعام خشبية كبيرة، بحسب تقرير مطول نشرته صحيفة The Guardian البريطانية.
 
والدة أسامة بن لادن تتحدث عن «ابنها المحبوب»
 
علياء غانم هي والدة أسامة بن لادن، ويفرض حضورها نفسه على جميع من في الغرفة. وعلى مقربة منها كان يجلس اثنان من أبنائها الذين لا يزالون على قيد الحياة، أحمد وحسن، وزوجها الثاني، محمد العطاس، الرجل الذي قام بتربية الإخوة الثلاثة. لكل فرد في العائلة قصته الخاصة ليخبرها عن الرجل المُرتبط بصعود الإرهاب العالمي. إلا أن علياء هي التي كانت تحظى باهتمام الجميع اليوم، وهي تصف رجلاً لا يزال، في عينيها، ابناً محبوباً ضل طريقه بشكلٍ أو بآخر. وتقول، وهي تتحدث بثقة: «كانت حياتي صعبة للغاية؛ لأنَّه كان بعيداً جداً عني.
 
 كان صبياً طيباً للغاية وكان يحبني كثيراً». وأشارت علياء، وهي الآن في منتصف السبعينيات من عمرها وبصحة متقلبة، إلى «العطاس»، وهو رجل نحيل، رشيق البنية، يرتدي، مثل ابنيه، ثوباً أبيض مفروداً، وهو الرداء الشائع للرجال في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية. وتابعت علياء: «لقد ربَّى أسامة منذ أن كان في الثالثة من عمره. كان رجلاً صالحاً، وكان يُعامل أسامة جيداً».
 
وكانت العائلة قد تجمعت في زاوية من القصر الذي يتشاركونه الآن في جدة، المدينة السعودية التي كانت موطناً لعائلة بن لادن أجيالاً. وهم لا يزالون من أكثر العائلات ثراءً في المملكة ، فقد بنت إمبراطورية الإنشاء الخاصة بهم أغلب أرجاء المملكة العربية السعودية الحديثة، وهي متعمقة كثيراً في نسيج الدولة. ويعكس منزل عائلة بن لادن ثروتها ونفوذها، وفي منتصفه سلم لولبي كبير يؤدي إلى غرف ضخمة.
 
 جاء رمضان وانقضى، ولا تزال أطباق التمر والشوكولاتة التي تميز أيام العيد الثلاثة حاضرة على الطاولات في جميع أنحاء المنزل. ويحدُّ بقية الشارع بيوت كبيرة. هذه هي جدة المشهورة بثرائها، وفي حين لا يوجد حارس يقف للحراسة في الخارج، تعد عائلة بن لادن أشهر سكان الحي.
 
غير أن ذلك لم يكن بالأمر السهل، فهي تخضع لمراقبة دقيقة لسنوات، رفضت علياء التحدث عن أسامة، كما كان حال عائلته الأوسع، طوال فترة توليه منصب زعيم تنظيم القاعدة التي امتدت لعقدين، وهي الفترة التي شهدت الضربات على نيويورك وواشنطن العاصمة في أميركا، وانتهت بعد أكثر من 9 سنوات مع موته في باكستان. والآن، وافقت القيادة السعودية الجديدة، التي يقودها الوريث الطموح الذي يبلغ من العمر 32 عاماً، للعرش، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، على طلبي بالتحدث إلى الأسرة.
 
 (باعتبارها واحدة من أكثر العائلات نفوذاً في البلاد، ولا تزال تحركاتها واتصالاتها تخضع لمراقبة دقيقة). إنَّ إرث أسامة آفة خطيرة على المملكة وعلى عائلته على حد سواء، ويعتقد كبار المسؤولين أنَّه من خلال السماح لعائلة بن لادن بقصِّ حكايتها، بإمكانها أن تثبت أن فرداً منبوذاً منها، وليس وكيلاً عنها، هو من كان مسؤولاً عن أحداث 11 سبتمبر/أيلول.
 
يزعم منتقدو السعودية منذ فترةٍ طويلة، أنَّ أسامة بن لادن حظي بدعم الدولة، ورفعت عائلاتُ عدد من ضحايا 11 سبتمبر/أيلول دعاوى قضايا (لم تكلَّل بالنجاح حتى الآن) ضد المملكة. وكان 15 من أصل 19 من خاطفي طائرات أحداث سبتمبر/أيلول من السعودية. لم يدهشني أنَّ عائلة أسامة بن لادن تعاملت بحذر في مفاوضاتنا الأولية، فهم غير متأكدين ما إذا كان فتح الجروح القديمة سيُعالجها أم سيزيدها سوءاً.
 
لكن بعد عدة أيام من النقاش، باتوا مستعدين للحديث. عند لقائنا في يوم حار في أوائل يونيو/حزيران، تجلس مرافقة تابعة للحكومة السعودية في الغرفة، على الرغم من أنَّها لا تحاول التأثير على المحادثة. (كما ينضم إلينا مُترجم كذلك).
 
لقد كان صبياً خجولاً متميزاً في دراسته
 
سترجع علياء والدة أسامة بن لادن وهي تجلس بين إخوة أسامة غير الأشقاء، ابنها البكر حين كان صبياً خجولاً متميزاً في دراسته. وأصبح شخصاً قوياً، وصاحب هدف، ومُتديناً في العشرينيات من عمره، كما تقول علياء، في أثناء دراسته للاقتصاد بجامعة الملك عبد العزيز في جدة، حيث تحول إلى فكر مُتطرف.
 
 وتقول علياء: «لقد غيَّره الناس في الجامعة. لقد أصبح رجلاً مختلفاً». وكان أحد الرجال الذين التقاهم هناك هو عبد الله عزام، وهو عضو في جماعة الإخوان المسلمين طُرد لاحقاً من السعودية وأصبح المرشد الروحي لأسامة بن لادن.
 
وتابعت علياء: «لقد كان طفلاً طيباً إلى أن تعرَّف على بعض الأشخاص الذين غسلوا دماغه في أوائل العشرينيات من عمره. يمكنك تسميتهم الجماعة الدينية المغلقة. لقد كانوا يحصلون على المال من أجل قضيتهم. كنت أقول له دائماً أن يبتعد عنهم، ولم يكن يعترف لي أبداً بما كان يفعله؛ لأنَّه أحبني كثيراً».
 
ثم ظهر «أسامة المجاهد»!
 
في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، سافر أسامة إلى أفغانستان لمحاربة الاحتلال الروسي. وقال حسن مُكملاً القصة: «كل من قابله في الأيام الأولى احترمه. في البداية، كُنَّا فخورين به. حتى الحكومة السعودية كانت تُعامله بطريقة نبيلة ومحترمة.. ثم ظهر أسامة المجاهد».
 
وتبع ذلك صمت طويل مربك، في حين كان حسن يكابد لتقديم تفسير للتحول الذي طرأ على بن لادن من مُتعصب إلى جهادي عالمي.
وتابع حسن حديثه في النهاية: «أنا فخور به جداً من حيث إنَّه كان أخي الأكبر. لقد علَّمني الكثير. لكنني لا أعتقد أنَّني فخور به كإنسان وصل إلى النجومية على المسرح العالمي، وكان كل هذا من أجل لا شيء».
 
وكانت علياء والدة أسامة بن لادن تستمع بإنصات، وتُصبح أكثر حيوية عندما تعود المُحادثة إلى سنوات تكوين أسامة. وقالت: «لقد كان مُستقيماً جداً، كان جيداً للغاية في المدرسة، كان يُحب الدراسة حقاً. أنفق كل أمواله على أفغانستان، كان يتسلل تحت ستار أعمال تابعة للعائلة:. وعندما سألتها عما إذا كان الشك قد دخل إلى قلبها في أنَّه ربما يصبح جهادياً، ردَّت علياء: «لم يخطر ببالي قَط».
 
سألتها كيف شعرت عندما أدركت أنَّه أصبح جهادياً؟ فقالت: «كُنَّا مستائين للغاية. لم أكن أريد أن يحدث أي شيء من هذا. لماذا يُلقي بكل شيء هكذا؟».
 
وكانت هذه آخر مرة ترى فيها والدة أسامة بن لادن ابنها
 
وتقول العائلة إنَّها رأت أسامة آخر مرة في أفغانستان عام 1999، وهو العام الذي زاروه فيه مرتين بقاعدته خارج مدينة قندهار مُباشرة. تقول علياء: «لقد كان مكاناً بالقرب من المطار الذي استولوا عليه من الروس. كان سعيداً للغاية لاستقبالنا. كان يُرينا أرجاء المكان في كل يوم كُنَّا فيه هناك. ذبح لنا ذبيحة، وأقام وليمة ودعا إليها الجميع».
 
 بدأت علياء والدة أسامة بن لادن في الاسترخاء، وتحدثت عن طفولتها بمدينة اللاذقية الساحلية السورية، حيث نشأت في عائلة من الشيعة العلويين. وتقول إنَّ المطبخ السوري يتفوق على السعودي، وكذلك الطقس في منطقة البحر المتوسط​​، حيث كان هواء الصيف الدافئ الرطب مناقضاً بشدة لقيظ جدة في يونيو/حزيران.
 
 انتقلت علياء إلى السعودية في منتصف الخمسينيات إلى السعودية، ووضعت أسامة بالرياض عام 1957. وطلقها والده بعد ذلك بـ3 سنوات، وتزوجت بـ»العطاس»، الذي كان آنذاك مسؤولاً في إمبراطورية بن لادن الوليدة، في أوائل الستينيات من القرن العشرين. واصل والد أسامة حياته ليصبح لديه 54 طفلاً من 11 زوجة على الأقل!
 
 ورغم ذلك، فوالدته ترفض إلقاء اللوم عليه وعندما غادرت والدة أسامة بن لادن لتستريح في غرفة قريبة، واصل أخوا أسامة غير الشقيقين الحديث. من المهم، كما يقولون، أن نتذكر أنَّ الأم نادراً ما تكون شاهداً موضوعياً. يقول أحمد: «لقد مرت 17 سنة حتى الآن (منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول) وهي لا تزال تُنكر ما يتعلق بأسامة. لقد أحبَّته كثيراً، وترفض إلقاء اللوم عليه. بدلاً من ذلك، تلوم من حوله. إنَّها لا تعرف مِن الصبي سوى جانبه الطيب، الجانب الذي رأيناه جميعاً.
 
 لم تتعرف قط على الجانب الجهادي». وتابع أحمد حديثه عن التقارير المُبكرة التي وردت من نيويورك، وقال: «لقد صُدمت وذُهلت. لقد كان شعوراً غريباً جداً. كُنَّا نعرف منذ البداية أَنَّه يقف وراء الأمر، خلال الساعات الـ48 الأولى. من الأصغر إلى الأكبر سناً، شعرنا جميعاً بالعار من أنه واحد منا. كُنَّا نعلم أنَّنا جميعاً سنواجه عواقب وخيمة.
 
 وعاد جميع أفراد عائلتنا في الخارج إلى السعودية». كان أفراد العائلة متفرقين بين سوريا، ولبنان، ومصر، وأوروبا. وأضاف أحمد: «في السعودية، كان هناك حظر على السفر. حاولت السلطات فرض سيطرتها على العائلة بأقصى قوة لديها». وتقول العائلة إنَّ السلطات استجوبت أفرادها جميعاً، ومنعتهم من مغادرة البلاد بعض الوقت. وبعد قرابة عقدين من الزمان، يستطيع أفراد عائلة بن لادن التحرك بِحرية نسبياً داخل المملكة وخارجها.
 
لكن لنعد قليلاً إلى الوراء، وظروف نشأة «زعيم القاعدة»جاءت السنوات التي أسهمت في تكوين شخصية أسامة بن لادن بجدة في السبعينيات من القرن العشرين، في الوقت الذي كانت فيه هناك حرية نسبية بالمملكة، قبل اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، التي كانت تهدف إلى تصدير المد الشيعي إلى العالم العربي السُّني. ومنذ ذلك الحين، فرض حُكّام السعودية تفسيرات صارمة للإسلام السُّني، وهو أسلوب كان يُمارَس على نطاقٍ واسع في شبه الجزيرة العربية منذ القرن الثامن عشر، وهو عصر رجل الدين محمد بن عبد الوهاب.
 
وفي عام 1744، عقد عبد الوهاب اتفاقاً مع الحاكم آنذاك محمد بن سعود، يسمح لآل سعود بتسيير شؤون الدولة بينما حدَّد رجال الدين المُتشددون الشخصية الوطنية. وفي المملكة السعودية الحديثة، التي أُعلن عنها في عام 1932، قويت شوكة كلا الجانبين؛ رجال الدين والحُكّام، لدرجة لا تسمح لأحدهما بهزيمة الآخر؛ ما أدى إلى تقييد الدولة ومواطنيها في مجتمع مُحدَّد بآراء محافظة: من أمثلتها الفصل الصارم بين الرجال والنساء من غير المحارم، تحديد صارم لطبيعة الأدوار التي ينبغي أن يقوم بها كل جنس، عدم التسامح مع الأديان الأخرى، والالتزام التام بالتعاليم العقائدية، وجميعها آراء حظيت بمباركة آل سعود.
 
فقد كان للتفسيرات «الوهابية» دور في تكوين شخصيته
 
يعتقد كثيرون أنَّ هذا التحالف أسهم بشكل مباشر في صعود الإرهاب العالمي. أسهمت النصوص والتفسيرات الدينية الوهابية إلى حد كبير في تشكيل نظرة تنظيم القاعدة للعالم -وهو ما ينطبق أيضاً على التنظيم المنبثق عنه (داعش)- واتُّهم رجال الدين السعوديون على نطاق واسع بتشجيع حركة جهادية نمت على مدار فترة التسعينيات من القرن العشرين، وفي القلب منها أسامة بن لادن.
 
وتريد القيادة السعودية الجديدة في عام 2018 وضع حدٍ لهذا العصر وإدخال ما يسميه بن سلمان «الإسلام المعتدل». هذا ما يراه أمراً ضرورياً لبقاء دولة يعيش فيها عدد كبير من السكان الشباب الذين يشعرون بالاستياء وفي أغلب الأحيان بالسخط؛ إذ لم يتح لهم، على مدى 4 عقود تقريباً، سوى إمكانية وصول محدودة إلى وسائل ترفيه أو حريات فردية أو اجتماعية مقيدة. يعتقد حكام السعودية الجدد أن مثل هذه المعايير الاجتماعية الصارمة، المُطبَّقة من جانب رجال الدين، ثبت أنَّها غذاء للمتطرفين الذين يستغلون مشاعر الإحباط هذه.
 
وهو ما وعته الحكومة وبدأت «إصلاحات»
 
بدأ الإصلاح يتسلل ببطء إلى العديد من جوانب المجتمع السعودي. وكان أبرز ما شهده شهر يونيو/حزيران 2017 رفع الحظر المفروض على قيادة النساء. أُدخلت تغييرات إلى سوق العمل والقطاع الحكومي المتضخم، وفُتحت دور سينما، وبدأت حملة لمكافحة الفساد في القطاع الخاص وبعض الدوائر الحكومية. كما تدَّعي الحكومة أنها أوقفت جميع أشكال التمويل للمؤسسات الوهابية خارج المملكة، والتي كانت مدعومة بدوافع دينية قوية منذ ما يقرب من 4 عقود.
 
وشيئاً فشيئاً، تستوعب البلاد هذا العلاج الجذري بالصدمة، علماً أن المجتمعات المحلية التي كانت مُقيدة بعقيدة متشددة على مدار عقود، لا تعرف دائماً كيف يمكنها أن تستفيد من هذا الإصلاح. لا يخلو الأمر من وجود تناقضات: يتجنب بعض المسؤولين والمؤسسات التيار المحافظ، في حين يتبناه آخرون بكل إخلاص. في هذه الأثناء، لا تزال الحريات السياسية محظورة. وأصبحت السلطة أكثر مركزية، وسحْق المعارضة أمر روتيني.
 
غير أن إرث بن لادن لا يزال حاضراً وبقوة يظل إرث بن لادن واحداً من أكثر القضايا إلحاحاً في المملكة. التقيت الأمير تركي الفيصل، الذي كان رئيس الاستخبارات السعودية مدة 24 عاماً في الفترة  بين 1977 و1 سبتمبر/أيلول 2001 (قبل هجمات 11 سبتمبر/أيلول بـ10 أيام)، في الفيلا الخاصة به في جدة. يرتدي تركي، وهو رجل مُثَقّف في منتصف السبعينيات من عمره الآن، أزرار أكمام خضراء تحمل العَلم السعودي على أكمام ثوبه.
 
قال لي: «هناك اثنان أسامة بن لادن. أحدهما كان حاضراً قبل نهاية الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، والآخر حضر بعد انتهائه. الأول، كان مجاهداً مثالياً جداً. لم يكن مقاتلاً. وباعترافه الخاص، قد أغمي عليه في أثناء المعركة، وعندما استيقظ، وجد الاعتداء السوفييتي على موقعه قد دُحر».
 
ومع انتقال بن لادن من أفغانستان إلى السودان، ومع توتر صِلاته بالمملكة العربية السعودية، كان تركي هو الذي تحدث معه نيابةً عن المملكة. في أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول، خضعت هذه المعاملات المباشرة لتدقيق مكثف. بعد ذلك -وبعد 17 عاماً- يرفض أقارب بعض الـ2.976 قتيلاً وأكثر من 6000 جريح في نيويورك وواشنطن العاصمة تصديق أنَّ الدولة التي صدّرت مثل هذا الشكل المُتَشدَّد من الدين لا يمكن أن يكون لها علاقة بتداعياته.
 
خاصة أن الكثير مما قام به كان بعِلم «الدولة»
 
لا شك في أن بن لادن سافر إلى أفغانستان بمعرفة الدولة السعودية ودعمها، وكانت تعارض الاحتلال السوفييتي. قام السعوديون، جنباً إلى جنب مع أميركا، بتسليح ودعم الجماعات التي قاتلت الاتحاد السوفييتي. أخذ المجاهد الشاب جزءاً صغيراً من ثروة العائلة معه، حيث اعتاد استخدامه لشراء النفوذ.
 
عندما عاد إلى جدة، وقد شجعه على ذلك المعركة والهزيمة السوفييتية، كان رجلاً مختلفاً، حسب قول تركي. «لقد أصبح لديه سلوك يتسم بطابع سياسي أكثر من ذي قبل، بدءاً من عام 1990. أراد طرد الشيوعيين والماركسيين اليمنيين الجنوبيين من اليمن.
 
 استقبلته وأخبرته بأنه من الأفضل ألا يتدخل في مثل هذه الأمور. كانت مساجد جدة تقتدي بالنموذج الأفغاني»، وبهذا يعني تركي، القراءة المتسمة بضيق الأفق للدين التي تبنتها حركة طالبان. «وكان بن لادن يحرضهم [المُصلّين السعوديين] على ذلك . طُلب منه أن يتوقف».
 
يتابع تركي: «كان لديه وجه جامد لا تبدو عليه أي أنفعالات. لم يظهر على وجهه العبوسُ أبداً ولا التبسُّم. في عام 1992- 1993، كان هناك اجتماع ضخم في مدينة بيشاور نظَّمته حكومة نواز شريف». وقد أصبح بن لادن بهذه المرحلة في كنف زعماء القبائل الأفغان.
 
«كانت هناك دعوة للتضامن الإسلامي، لإرغام قادة العالم الإسلامي على التوقف عن التشاحن. أنا رأيته أيضاً هناك. التقت أعيننا، لكننا لم نتحدث. لم يعد إلى المملكة. ذهب إلى السودان، حيث بنى شركة عسل وقام بتمويل إنشاء طريق».
 
انتشرت دعوة بن لادن وهو خارج السعودية. «اعتاد إرسال بيانات عبر الفاكس إلى الجميع. كان ناقداً لكل شيء. كانت هناك جهود من جانب العائلة لإثنائه، -وكذلك مبعوثين حكوميين وسياسيين وما شابه ذلك- لكنهم لم ينجحوا. ربما كان هذا لشعوره بأن الحكومة لم تأخذ مواقفه على محمل الجد».
 
وعندما طلبت منه العودة.. كان الوقت قد فات
 
بحلول عام 1996، عاد بن لادن إلى أفغانستان. يقول تركي إنَّ المملكة عرفت أنها بذلك وقعت في مشكلة وطلبت منه العودة. سافر إلى قندهار للقاء زعيم حركة طالبان حينذاك الملا عمر.
 
 قال: «أنا لست ضد تسليمه، لكنه كان مفيداً جداً للشعب الأفغاني»، وأضاف تركي أنَّ «بن لادن مُنح ملاذاً وفقاً لما تمليه علينا التعاليم الإسلامية». وبعد عامين، في سبتمبر/أيلول 1998، سافر تركي إلى أفغانستان مرةً أخرى، هذه المرة ليتم صدّه بصرامة. يقول عن عمر: «في ذلك الاجتماع، كان رجلاً مختلفاً.
 
أكثر تحفظاً، يتعرَّق بغزارة. وبدلاً من اتخاذ لهجة معتدلة، قال: كيف يمكنك أن تضطهد هذا الرجل الجدير الذي كرَّس حياته لمساعدة المسلمين؟»، يقول تركي إنَّه حذَّر عمر من أن ما يفعله سيضر بشعب أفغانستان ، وغادر.
 
 حدثت زيارة العائلة لقندهار في السنة التالية، وبعد غارة صاروخية على مجمع بن لادن السكني، رداً على هجمات القاعدة على السفارة الأميركية لدى تنزانيا وكينيا. يبدو أنّ بعض أفراد الأسرة وجدوا صعوبة في العثور عليه، في حين لم تستطع شبكات أجهزة المخابرات السعودية والغربية العثور عليه أيضاً.
 
 إلى أن أصبح الهدف رقم واحد لمكافحة الإرهاب ووفقاً لمسؤولين في الرياض، ولندن، وواشنطن العاصمة، كان بن لادن وقتها قد أصبح الهدف رقم واحد لمكافحة الإرهاب، فهو الذي كان عازماً على استخدام المواطنين السعوديين لتوسعة الهوة بين الحضارتين الشرقية والغربية.
 
ويقول لي ضابط مخابرات بريطاني: «لا شك في أنه استخدم عن عمد، مواطنِين سعوديِّين لتنفيذ هجوم سبتمبر/أيلول»، وتابع: «فقد كان مقتنعاً بأنه سيحول الغرب ضد بلاده، وقد نجح بالفعل في التحريض على الحرب، لكن ليس إلى الحد الذي تصوره».
 
 يزعم تركي أنه في الشهور السابقة لسبتمبر/أيلول، علِم جهاز مخابراته أن ثمة شيئاً خطيراً يجري التخطيط له. وقال: «في صيف 2001، نقلت تحذيراً بقرب حدوث أمر جلل للأميركان، والبريطانيين، والفرنسيين، والعرب. لم نعرف أين، لكننا علمنا أن شيئاً ما يجري تدبيره». ظل بن لادن شخصية مشهورة في بعض مناطق الدولة، يتباهى به الذين يؤمنون بأن فيما فعله قربة إلى الله. رغم ذلك، يصعب قياس عمق الدعم.
 
وسُمح في الوقت نفسه لمن تبقى من عائلته المباشِرة بالعودة للمملكة، وتعيش اثنتان على الأقل من زوجات أسامة (واحدة منهن كانت معه في أبوت آباد حين قتلته القوات الخاصة الأميركية)، وأطفالهما الآن في جدة. يقول لي أحمد، أخو أسامة غير الشقيق، بينما تعد الخادمة طاولة العشاء القريبة: «كانت لدينا علاقة جيدة جداً مع محمد بن نايف (ولي عهد المملكة السابق)»، وتابع: «سمح للزوجات والأطفال بالعودة». لكن رغم أن لديهم حرية التنقل داخل المدينة، لا يمكنهم مغادرة المملكة.
 
عادت والدة أسامة للانضمام إلى المحادثة، وقالت: «أهاتف زوجاته معظم الأيام، فهن يعشن بالقرب من هنا». لم تكن فاطمة العطاس، الأخت غير الشقيقة لأسامة، وأخت الرجلين، حاضرة في مقابلتنا. لاحقاً، أرسلت بريداً إلكترونياً من منزلها في باريس، تقول فيه إنها تعترض بشدة على إجراء مقابلة مع أمها، طالبةً إعادة الترتيب للمقابلة من خلالها. ورغم موافقة أخويها وزوج والدتها، شعرت بأن أمها مُضغوط عليها لتتحدث. في حين أصرت غانم على أنها كانت سعيدة بالحديث وأنه كان لديها ما هو أكثر لتحكيه. ربما يكون وجود توترات كهذه علامة على وضع العائلة الكبيرة المرتبك في المملكة.
 
لكن إذا كان أسامة قد مات، فبن لادن لا يزال حياً!
 
سألتُ العائلة عن أصغر أبناء بن لادن، حمزة ذي الـ29 عاماً، الذي يُعتقد أنه في أفغانستان. العام الماضي (2017)، صنفته الولايات المتحدة رسمياً كـ»إرهابي عالمي»، ويبدو أنه يحذو حذو والده، تحت قيادة أيمن الظواهري، زعيم القاعدة الجديدة، ونائب أسامة السابق.
 
يهز أعمامه رؤوسهم. ويقول حسن: «ظننا أن الجميع تجاوز هذا»، وتابع: «ثم ما عرفته لاحقاً هو أن حمزة كان يقول (سأثأر لأبي)، لا أريد أن أمر بهذا ثانيةً. لو كان حمزة أمامي الآن، كنت سأقول له: (الله يهديك، فكِّر مرتين فيما ستفعل. لا تعيد خطى والدك. أنت تدخل في مساحات مظلمة من روحك)».
 
هذا الصعود المستمر لحمزة بن لادن يشوش على محاولات العائلة غسل ماضيها. وربما يعوق أيضاً جهود ولي عهد السعودية في تشكيل عصر جديد، يعد فيه بن لادن تشوَّهاً طرأ على جسد المملكة، ولا تمنح فيه العقيدة المتشددة التي سمحت بها المملكة شرعية للتطرف.
 
وفي حين أن المملكة حاولت إحداث تغيير من قبلُ، فتلك المحاولات السابقة لا ترقى إلى مستوى أي مما يحدث حالياً. ولا يزال السؤال مطروحاً حول مدى القوة التي يمكن أن يدفع بها محمد بن سلمان في مواجهة مجتمع باتت الرؤية المتشددة للعالم جزءاً راسخاً منه.
 
يشعر حلفاء المملكة بالتفاؤل، وإن كانوا يُبدون حذراً. أخبرني ضابط الاستخبارات الإنكليزية الذي تحدثتُ إليه: «إذا لم يُحدث سلمان تقدُّماً، فستكون هناك نسخ أخرى عديدة من أسامة. ولست واثقاً بأن بوسعهم محو هذه اللعنة».


التعليقات