اليمن بين انقلاب عسكري وصراع "جمهوري ـ ملكي" بدعم "مصري ـ سعودي"
- القدس العربي السبت, 15 سبتمبر, 2018 - 09:09 مساءً
اليمن بين انقلاب عسكري وصراع

[ الحرب باليمن - أرشيفية ]

بالعودة لمجلة «الأسبوع العربي» في عددها الصادر في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1962 نجدها نشرت مادة إعلامية بعنوان «في اليمن الآن: حكومتان متصارعتان وإمامان متحدان»، حيث أشارت المادة إلى الحركة التي تشهدها السفن والطائرات وتدفق الصحافيون إلى هذا البلد، حيث تضمنت المادة أن كل شيء يشير إلى أن معركة اليمن تخرج عن مرحلة تعريب النزاع إلى مرحلة تدويل النزاع، لافتة إلى أن اليمن أصبح مسرحًا للنزاع المسلح غير المباشر بين جبهة القاهرة وبين جبهة الرياض- عمان.
 
وتابعت المجلة في مادتها أن الموقف باتساع تعريب المعركة بات قابلًا لكثير من التطورات وقد اتسع هذا التعريب رسميًا وواقعيًا منذ أن اتخذ مجلس رئاسة الجمهورية في القاهرة قرارًا بوضع جميع مهمات حكومة القاهرة تحت تصرف حكومة صنعاء… مما يعني أن القاهرة قررت خوض المعركة حتى النهاية وما يسمح بالتأكد أن جبهة (الرياض- عمان) التي تعتبر المعركة كذلك معركتها قد بدأت ترد بالمثل.
 
نعم إنها حرب اليمن أو حرب شمال اليمن الأهلية، كذلك فهو انقلاب قام ضد المملكة المتوكلية اليمنية في شمال اليمن عام 1962 وقامت خلالها حرب أهلية بين الموالين للمملكة المتوكلية وبين الموالين للجمهوريّة العربية اليمنية واستمرت الحرب ثماني سنوات (1962- 1970). وقد سيطرت الفصائل الجمهورية الانقلابية على الحكم في نهاية الحرب وانتهت المملكة وقامت الجمهورية العربية اليمنية. وبدأت الحرب عقب انقلاب المشير عبد الله السلال على الإمام محمد البدر حميد الدين وإعلانه قيام الجمهورية في اليمن.
 
هرب الإمام إلى السعودية وبدأ بالثورة المضادة من هناك. تلقى الإمام البدر وأنصاره الدعم من السعودية والأردن وبريطانيا وتلقى الجمهوريون الدعم من مصر عبد الناصر. فلقد أرسل ما يقارب (70،000) جندي مصري وعلى الرغم من الجهود العسكرية والدبلوماسية، وصلت الحرب إلى طريق مسدودة واستنزفت السعودية بدعمها المتواصل للإمام طاقة الجيش المصري وأثرت على مستواه في حرب 1967 وأدرك ناصر صعوبة إبقاء الجيش المصري في اليمن.
 
لقد أدرك اليمنيون منذ البداية أنه يجب الاعتماد على ضباط عسكريين للقيام بالإطاحة بحكم الإمام ثم يُدعمون بالقبائل بعد ذلك.
 
وعلى الرغم من ذلك فإن العقل المدبر للانقلاب كان مدنياً وهو الدكتور عبد الرحمن البيضاني الذي كان يعتقد بضرورة وجود خمس ركائز أساسية للقيام بانقلاب في اليمن وهي: الجيش الذي سيقوم بالانقلاب. بناء ميناء الحديدة لاستيراد الأسلحة الثقيلة التي تختلف عن الأسلحة الموجودة في أيدي القبائل. مع إنشاء طريق بين الحديدة وصنعاء لضمان الوصول للعاصمة سريعاً لحمايتها. دولة تساند الانقلاب. إعلام قادر على التبشير بمبادئ الثورة.
 
الاستعداد للانقلاب بخمس ركائز أساسية
 
في سنة 1962، كانت هناك نواة للجيش كما تم بناء ميناء الحديدة وشُق الطريق بين الميناء وصنعاء وبُنيت الإذاعة في الأخيرة وبقي فقط الدعم الدولي. تم وضع خطة الانقلاب في مدينة جرمش في ألمانيا، عندما أجتمع البيضاني وعبد الغني مطهر. ثم بعد ذلك سافر البيضاني إلى القاهرة لعرض الخطة على المسؤولين المصريين هناك وكان من ضمنهم أنور السادات، صلاح نصر مدير المخابرات العامة ونائبه علي سليمان والرئيس المصري جمال عبد الناصر.
 
تطورت الأوضاع، ففي 30 ايلول/ سبتمبر، وصل العميد المصري (علي عبد الخبير) على متن الطائرة لتقييم الموقف وتقدير احتياجات مجلس قيادة الثورة اليمني. وعلى الفور تقرر إرسال كتيبة قوات الصاعقة المصرية، وكانت مهمتها العمل على حراسة العقيد عبد الله السلال، ووصلت هذه الكتيبة إلى مدينة الحديدة في 5 تشرين الأول/ أكتوبر.
 
وكان أنور السادات يعتقد أن لواء مدعوم بالطائرات يمكنه تأمين السلال ومجموعة الضباط الأحرار اليمنيين. ولكن تسارعت الأحداث وقامت السعودية -التي كانت تخشى المد الناصري- بإرسال قوات إلى الحدود اليمنية. وأرسل ملك الأردن رئيس أركان جيشه إلى الأمير حسن لإجراء مباحثات.
 
في وسط الأحداث قامت السعودية والأردن بعقد اتفاقية للدفاع المشترك والتعاون العسكري عُرفت باتفاقية الطائف. وبسبب حوادث لجوء بعض الطيارين السعوديين إلى مصر بسبب رفضهم قصف المواقع المصرية في اليمن، التجأ السعوديون إلى الأردن للقيام بالغارات الجوية. وبالفعل ذهب وفد عسكري أردني إلى السعودية يرأسه قائد الجيش حابس المجالي ومعه قائد سلاح الجو سهل حمزة للاتفاق على تفاصيل الضربة الجوية التي سيقوم بها طيارون أردنيون. وكانت الأهداف التي يجب ضربها مطارات صنعاء، الحديدة، وتعز، وتدمير الطائرات والمعدات الموجودة، السفن المصرية في البحر الأحمر المتجهة والعائدة من اليمن، إذاعة صنعاء، محطة الاتصالات اللاسلكية، قلعة حجة، إذاعة تعز، وميناء الصليف شمال مدينة الحديدة.
 
التدخل الدولي الخفي في صراع اليمن
 
سبق وكتب -حسنين هيكل- أن إسرائيل قامت بإعطاء شحنات من الأسلحة كما أقامت اتصالات مع المئات من المرتزقة الأوروبيين الذين يقاتلون بجانب الملكيين في اليمن. وقامت إسرائيل بإنشاء جسر جوي سري بين جيبوتي وشمال اليمن.
 
وأعطت الحرب الفرصة للإسرائيليين لمراقبة وتقييم التكتيكات الحربية المصرية وقدرتها على التكييف مع ظروف المعارك. وبعد ثلاثة عقود من الحرب، أكد الإسرائيليون كلام هيكل. جيم جونسون، زعيم المرتزقة الأوروبيين كان يفكر بشراء طائراتهم الخاصة توجه إلى طهران ليقنع الإيرانيين (تحت حكم الشاه وقتها) للقيام بإسقاط جوي، ونجحت الجهود بعد سفر مستشار المرتزقة نيل بيلي مكلين إلى تل أبيب ولقاء موشي ديان وأميت مائير، رئيس الموساد.
 
لقد شهد الإسقاط الجوي الأول للأسلحة الكولونيل جوني كوبر والتي كانت 180 بندقية، 34،000 طلقة من ماوزر و72 قذيفة مضادة للدبابات و68 كيلو من المتفجرات البلاستيكية. قد أخفى الإسرائيليون مصدر الأسلحة، كانت الطائرات الإسرائيلية تحلق على طول السواحل السعودية تلقي الأسلحة في اليمن وتتزود بالوقود في الصومال وجيبوتي وتعود إلى إسرائيل وأسمى الإسرائيليون عملياتهم (Operation Porcupine) (عملية النيص) واستمرت الطائرات الإسرائيلية بتزويد المرتزقة الأوروبيين والملكيين بالأسلحة لمدة سنتين.
 
كذلك فقد قامت إيران بدعم الملكيين بالمال فقد وجد الشاه محمد رضا بهلوي أنه يجب عليه دعم الإمام محمد البدر حميد الدين الشيعي الزيدي. وسمح البريطانيون بمرور قوافل السلاح عبر أراضي أحد حلفائهم في الجنوب العربي وهو شريف بيحان الذي كان تحت حماية الإدارة البريطانية في عدن.
 
وقامت الطائرات الحربية البريطانية بعمليات نقل جوية لإعادة إمداد قوات الإمام. قام الإمام البدر بتشكيل جيشين -واحد تحت قيادة الأمير حسن في الشرق والثاني تحت قيادته في الغرب. وسيطر الجيشان على معظم شمال وشرق اليمن، بما فيه من مدينتي حريب ومأرب. ولكن عاصمة الشمال، صعدة – التي كانت لتعطي للإمام طريقًا إستراتيجيًا هامًا للعاصمة صنعاء – كانت تحت سيطرة الجمهوريين.
 
وكانت هناك مناطق مثل مدينة حجة، حيث كان الملكيون يسيطرون على الجبال بينما سيطر المصريون والجمهوريون على المدينة وقلعتها.
 
بداية نهاية الحرب باتفاق (مصري- سعودي)
 
تقابل عبد الناصر وفيصل في مؤتمر القمة العربية في الإسكندرية، في أيلول/ سبتمبر 1964. وكان لايزال في اليمن 40،000 جندي مصري وقُتل 10،000 جندي آخر. وفي البيان الختامي للقمة تقرر الآتي: المساهمة في حل الخلافات بين مختلف الفصائل اليمنية. العمل سوياً لوقف القتال المسلح في اليمن. الوصول إلى حل بالطرق السلمية.
 
وفي 2 تشرين الثاني/ نوفمبر من نفس العام عُقد مؤتمر سري في أركويت في السودان. وأعلن المتحاربون وقفاً لإطلاق النار يسري مفعوله الساعة الواحدة من ظهر يوم الإثنين 8 تشرين الثاني/ نوفمبر. وفي 2 و3 تشرين الثاني/ نوفمبر، تناقش 9 مندوبين من الطرفين ومعهم ملاحظون مصري وسعودي حول شروط الاتفاق. وتم الاتفاق على عقد مؤتمر موسع يحضره شيوخ القبائل في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر.
 
تقرر تنحية السلال والبدر من أي مناصب رسمية. ولكن المصريين قاموا بقصف بعض المواقع الملكية يوم 4 تشرين الثاني/ نوفمبر، فتأجل المؤتمر الموسع إلى يوم 30 تشرين الثاني/ نوفمبر ثم إلى أجل غير مسمى. وتبادل الجمهوريون والملكيون الاتهامات لعدم الحضور. وحاولت الإذاعة الملكية إثارة الشقاق بين الجمهوريين عن طريق وعدهم بالأمان بعد انسحاب القوات المصرية من اليمن. وقد وعد البدر أيضاً بتشكيل «نظام دستوري ديمقراطي» محكوم «بمجلس شعب ينتخبه شعب اليمن». وقد لبى عبد الناصر طلب عبد الله السلال عندما طلب منه الدعم العسكري فبعث له الجنود والسلاح على طائرة شحن من القاهرة.
 
جاءت رحلة عبد الناصر إلى جدة في 22 آب/ أغسطس عام 1965 على متن مركبه الحرية كأول رحلة له للمملكة العربية السعودية منذ عام 1956 عندما قام بزيارتها للحج ومقابلة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود. وقد قام الملك فيصل بالترحيب به ترحيباً كبيراً. وفي خلال 48 ساعة توصل الاثنان إلى اتفاق كامل على انسحاب القوات المصرية من اليمن تدريجياً خلال عشرة أشهر ووقف كل المساعدات السعودية للملكيين. وتكوين مجلس يمني من 50 عضواً يمثلون جميع الفصائل اليمنية ويكون مكلفاً بتكوين حكومة انتقالية تمهيداً لاستفتاء عام لتحديد مستقبل اليمن.
 
بحلول عام 1967، تركزت القوات المصرية في مثلث الحديدة، تعز، وصنعاء للدفاع عنه. بينما قامت القوات الجوية بقصف مواقع في جنوب السعودية وشمال اليمن. وفي آب/ أغسطس، قام عبد الناصر باستدعاء 15،000 جندي لتعويض الجنود الذين فُقدوا في حرب ذلك العام مع إسرائيل. وفي مؤتمر القمة العربية في الخرطوم الذي عُقد بعد الحرب، أعلنت مصر بأنها مستعدة لسحب قواتها من اليمن. واقترح وزير الخارجية المصري محمود رياض إعادة إحياء اتفاق جدة لعام 1965.
 
وقبل الملك فيصل الاقتراح، ووعد البدر بإرسال قواته للقتال مع مصر ضد إسرائيل. ووقع عبد الناصر والملك فيصل اتفاقية تنص على سحب القوات المصرية من اليمن ووقف المساعدات السعودية للملكيين وإرسال مراقبين من ثلاث دول عربية محايدة هي (العراق- السودان- المغرب). ورفض السلال الاتفاق واتهم عبد الناصر بخيانته. وقامت مصر بإعادة ممتلكات سعودية بقيمة 100 مليون دولار كانت قد جمدتها سابقاً، وتراجعت السعودية عن تأميم ثلاثة مصارف مملوكة لمصريين.


التعليقات