تحليل لعبدالعزيز المجيدي كتبه للموقع عن زواج المتعة بين " الحوثية " وأمريكا تحت طاولة الإنقلاب (2-2)
كيف شجعت واشنطن الحركة الطائفية على إستنساخ التجربة العراقية، ولماذا سعت لإقناع دول المنطقة بالحوثيين كقوة ضرورية ؟
- خاص السبت, 27 فبراير, 2016 - 06:32 مساءً
كيف شجعت واشنطن الحركة الطائفية على إستنساخ التجربة العراقية، ولماذا سعت لإقناع دول المنطقة بالحوثيين كقوة ضرورية ؟

[ عناصر من مليشيا الحوثي في تظاهرة قبل سقوط صنعاء (ارشيف) ]

لم تشجع واشنطن خطة فوضى الميليشيات في اليمن فحسب ، بل راحت تستنسخ التجربة العراقية بكل قذارتها، فأسندت مهمة " مكافحة الإرهاب" لميليشيات طائفية، ضداً على الدولة المفترضة، التي تحللت بمجرد تحول الجيش والأجهزة الامنية الى ذراع ملحق بالميليشيات.
 
الطعم الامريكي
 
كانت أمريكا تدرك النتائج العكسية تماما لهذه "الفوضى" فقد إختبرتها في العراق، وخلقت كل هذه الحروب والصراعات التي تشطر العراق الآن وتقوده الى التشظي.
 
تناغما مع " الطعم الأمريكي"  أصبحت المهمة الوجودية"  للميليشيات" هنا " مكافحة الدواعش" كمفردة مستنسخة بالكامل، ظروفا وبيئة وصراع من العراق، وراحت تركض في كل المساحات، طمعا في حلف وثيق مع أمريكا.
 
كانت تريد السيطرة على اليمن لبناء مشروعها السلالي الطائفي كامتداد لمشروع إيراني تحت لافتة محاربة الإرهاب، الفضفاضة، وكانت في الواقع هرولة نحو حرب أهلية وإنقسام طائفي مدبر!.
 
بعض المحللين الأمريكيين وقتها كانوا حسني النية أو لايرغبون في قول الحقيقة، فمع أنهم يؤكدون على خطأ السياسية الأمريكية حيال اليمن، ويعتبروها تكرارا لسيناريو العراق، لكنهم يرونها من زاوية أخرى  " تخبطا " في إدارة البيت الأبيض.
 
الإفتراض الأقرب الى الحقيقة أن ماحدث  لم يكن أكثر من مخطط محكم ضمن إستراتيجيات بعيدة لإعادة تقسيم المنطقة وتفكيكها طائفيا وعرقيا .
 
فإذا افترضنا صحة  " سوء التقديرات" في السياسة الأمريكية حيال اليمن، فكيف يقع العقل العلمي التجريبي الأمريكي، في فخ تكرار تجربة، مازالت ماثلة بكل دمويتها وكارثيتها في مكان آخر، غير العراق؟.
 
هناك أوجه تشابه الى حد في الدور الأمريكي السلبي والتدميري في كلا البلدين، فقد أحتلت واشنطن العراق وأصبحت سلطة إحتلال مسؤولة عن وضعه ومآلاته، لكنها تركته في عهدة حاكمها المدني بريمر بكل ممارساته الفاسدة، وسلمته لاحقا لميليشيات طائفية دموية.
 
 ما هو أسوأ تسليم امريكا الغازية ، العراق  المحتل، لعدوه التاريخي بكل ميراث الحقد الفارسي: إيران. بهذه الطريقة كان يجب ان يجب أن يبحث الآخرون المقصيون والمطاردون عن ملاذ، وهذاإفتراض يقف خلف راية الإرهاب التي أصبحت ظاهرة غامضة التشكل، واتسع نطاقها ليشمل لاحقا الأراضي السورية " تنظيم " داعش".
 
تجربة اليمن
 
أما في اليمن، فقد زودت واشنطن صالح بالعتاد والاسلحة وجهزت ودربت جيشا شديد الولاء له ولعائلته، وهي تدرك أكثر من غيرها، أنه  جيش بني على أسس عشائرية وطائفية.
 
 وعندما انتفض اليمنيون للإطاحة بصالح كانت أمريكا تسنده، وتفرض تسوية أبقته شريكا في المشهد، مقابل تنازله عن الرئاسة لإحتواء الثورة، ولاحقا شجعته على العودة ومنحته رعايتها الإستثنائية.
 
عندما كان الشباب ينضمون من محافظة الى أخرى في مسيرة " الحياة" السلمية الشهيرة التي انطلقت من محافظة تعز نهاية ديسمير 2011 بعد توقيع المبادرة الخليجية، خرج سفير واشنطن فايرستاين بلهجة حادة متوعدة يحذر من التصعيد ويتهم المسيرة بأنها مسلحة،  وحذر الحكومة  من "التلكوء في إصدار قانون الحصانة".
 
كانت واشنطن شديدة الإلحاح على تحصين رئيس قاتل وفاسد، في واقعة غير مسبوقة بالتاريخ.
 
وكان فايرستاين بتبجح سافر، يتصرف باعتباره سفير دولة عظمى، رعت ، شكليا ،تسوية سياسية وأصبحت مسؤولة عن إنجاحها سياسيا  لإكمال "لإنتقال السلمي للسلطة ، غير أنه كان يتصرف كمندوب سامي في الواقع.
 
لكن هذه الغلظة الأمريكية وقتها، خشية الإجهاز على صالح بثورة شعبية،غدت  هادئة و" متفهمة " للغاية، عندما كان يقتضي منها تحذير المسيرة الميليشياوية المسلحة الحقيقية  للحركة الحوثية وهي على تخوم العاصمة.
 
 كان على واشنطن ،على الأقل، أن تحتد  بوجه " الشعار " المعادي لها.
 
لكنها كانت تترك النقلة الأخطر، تمر ضمن لعبة أعدت سلفا، وكان على " ميليشيات الحوثي " أن تقوم بالدورالمرسوم لها  "بضوء أخضر دولي للقيام ببعض العمليات الجراحية في مناطق محددة من العاصمة"  كما قال القيادي الحوثي حسن زيد حين سقوط صنعاء!
 
 
لعبة الانتقال
 
عشية وضع الرئيس هادي تحت الإقامة الجبرية، في 19 يناير 2015 لإسدال الستار على " لعبة الإنتقال السلمي " كان نبيل خوري نائب سفير واشنطن الأسبق يتحدث من مكان قريب من البيت الأبيض لقناة الجزيرة معلقا على مايحدث،  بأن أمريكا " فقدت أي تأثير على الوضع في اليمن  وأن القوة هي التي تقرر الأمر الواقع "!
 
صمتت أمريكا الرسمية حيال واقعة هي بمثابة فضيحة سياسية كبيرة، لدولة تزعم رعاية "الديمقراطية وحقوق الإنسان " .
 لكنها كانت فضيحة أكبر من زاوية أخرى، كونها راعية تسوية سياسية، وكل مافلعته أنها نقذت رئيس تاريخه ملطخم بالدم واللصوصية، وتخلت عن مهمتها في إنجاح" عملية إنتقال سلمي للسلطة".
 
لقد أصبحت وأشنطن، فجأة عديمة الحيلة، صمتت كأي دولة صغيرة ترقب الوضع من بعيد، وبينما كان العالم ينتظر منها موقفا مناهضا لإستخدام القوة والعنف للسيطرة على السلطة والإطاحة بسلطة شرعية جاءت بها مبادرة هي أبرز رعاتها، صمتت وكأنها أبو الهول..!
 
بعد أيام قذفت وزارة الخارجية الأمريكية، بتصريح مقتضب  لوسائل الإعلام، بدون إكتراث، أكدت فيه " على وجوب نقل السلطة عبر المؤسسات الرسمية ".
 
هنا ظهرت آثار مشاركة واشنطن في إغتصاب السلطة.
 
كان تعليق الخارجية مباركة أكثر من صريحة للإنقلاب. . ولملشنة اليمن وإلقائه الي جحيم الحرب الأهلية.
 
خدمات ومنافع
 
تبادلت أمريكا والميليشيات الخدمات والمنافع، فواشنطن تحقق أهدافا قصيرة الأمد، بصناعة ساحة صراع، تجلب الكثير من المال عبر مصانع الأسلحة، وإستنزاف القدرات والإمكانيات العربية في حروب بينية وإقليمية مدمرة.
 
 وعلى المدى البعيد تؤسس لتفتيت وتمزيق اليمن والمنطقة برمتها بطريقة تحقق مخطط إسرائيلي قديم ودراسة أمريكية حديثة، لـ" بناء حدود الدم " تقول بضرورة تقسيم الدول العربية وعلى رأسها السعودية الى مجموعة دول على أسس طائفية وعرقية وجهوية.
 
في المقابل  راحت الميليشيات تحصد جائزتها البسيطة، سلطة تفتقد لأي مشروعية، لكنها راهنت على القوة والغطرسة بعد الحصول على مباركة  و" تعميد " القوة العظمى، بنتسيق مسبق مع طهران !
 
المؤكد أن واشنطن سلكت سياسة،شديدة الذكاء، حيال الملف اليمني وليست متخبطة كما يقرأ السذج، فقد شجعت التناقضات في اليمن وحالة الإستقطاب ذي الصبغة الطائفية بطريقة غير مباشرة من خلال مابدا أنها " سياسة التخلي  ورفع اليد" وهذا تحديدا وصف دبلوماسي أمريكي رفيع،كما نقل بيير غانم مراسل العربية نت منتصف فبراير 2015.
 
قال إن ما فعلته أمريكا هو أنها رفعت يدها عن اليمن وتراقب الوضع عن كثب وستتعامل مع الأمر الواقع.
 
كانت واشنطن أثناء الحروب الستة تفضل وصف جماعة الحوثيين بحركة  شيعية ذات مطالب طائفية في شمال اليمن تحديدا، لذلك هي تدرك تماما معني ان تطلق هذه الميليشيا ساقيها للعبث  في الخارطة اليمنية.
 
بالتأكيد كانت تدرك أكثر أن أثر هذا الجموح لن يتوقف عند حدود اليمن بل سيطال دول الجوار وعلى رأسها السعودية التي  ستخشى بالضرورة أي نفوذ إيراني في خاصرتها الجنوبية، كنسخة شبيهة بحزب الله، فكيف إذا ابتعلت بلدا بأكمله ، وألقته على الفور الى السلة الإيرانية ؟
 
قذف النرد
 
سنكون سذجا للغاية إذا اعتقدنا أن قوة عظمى كأميركا مسنودة بمراكز تفكير ولوبيات مصالح ضخمة ونافذة، تمارس لعبة  قذف " النرد " في السياسة.
 
كل موقف سياسي بالضرورة يجب أن يكون مبنيا على مجموعة من السيناريوهات والإحتمالات، بل والنتائج شبه الحتمية.
 
لقد كانت الحركة الطائفية التي تضج ليل نهار، بخطاب دعائي  لزعاماتها، يستغفل انصارها البسطاء، عن معاداة امريكا وإسرائيل، هي  حصان طروادة الخشبي الذي ركبته أمريكا وإسرائيل، لتمرير مخططاتها البعيدة حيال المنطقة، في ظل سياسة تغيير الأحلاف، ووضع إيران كدولة ذات أولوية في " العناية الامريكية" تحت عنوان الاتفاق النووي.
 
وقد حدث ماهو متوقع، فالتهديدات الإيرانية والتبجح الميليشياوي بالوصول الى مكة، دفع السعودية لقيادة تحالف عربي عسكري لمواجهة هذا الخطر الإيراني الطائفي في اليمن قبل أن يمتد لدول المنطقة.
 
يمكن إعتبارها حربا وقائية متأخرة، كانت حتمية الوقوع. 
 
لقد  مارست أمريكا ، القوة العظمى التي نهضت على العقيدة " البراغمايتة "، ما يشبه زواج  المتعة مع الجماعة الحوثية تحت طاولة الإنقلاب، فالحرب المستعرة منذ11 شهرا في اليمن، تمنح أمريكا فرصة إستغلال الجميع ضد الجميع، بينما يهرطق خطاب الحوثي وأبواقه الإعلامية عن العدوان الإسرائيلي الامريكي وشركات بلاك ووتر والمرتزقة الكولومبيين للإلهاء عن حقيقة تآمرهم مع أمريكا لضرب البلد والمنطقة.
 
الأسوأ هو تمزيق النسيج الإجتماعي لبلد متعدد المذاهب ويعاني أصلا من الإنقسامات المختلفة وصناعة مستقبل من الكراهية، طمعا في السيطرة ، وخدمة لمشروع فارسي هو الأخطر على المنطقة.
 
يقفون يوميا بسذاجة بالغة يصرخون تحت راية إيرانية، تدعو بالموت لأمريكا وإسرائيل بينما تقدم طهران وأذرعها الميليشياوية، في العراق وسوريا ولبنان واليمن، خدمات مجانية لأمريكا وإسرائيل، باشعال حروبا أهلية طائفية في اربع دول، وإشغال المنطقة ببعضها.
 
حلم فارسي
 
 تريد طهران إحياء حلمها الامبراطوري الفارسي القديم  بتحطيم العرب بدءا من تدمير العواصم الأربع، والوصول الى باب المندب والابيض المتوسط، لتحصل في النهاية إسرائيل على حلمها بالهيمنة على منطقة مكتظة بالدويلات المحتربة والمتصارعة. 
 
تدور عجلة مصانع الأسلحة الامريكية، ربما بنفس وتيرة " الصرخة" الفارغة للميليشيات الطائفية في اليمن، ولا أعتقد أن الأمريكان سينسون هذه الخدمة التي قدمها عبدالملك صالح الحوثي، للشركات الأمريكية ولإسرائيل.
 
فبعد الحرب في اليمن تضاعفت طلبات شراء السلاح لدى المصانع الامريكية من دول المنطقة، بل هناك عجز في تلبية طلبات التسلح ، وفقا لتقارير صحفية.
 
فعلت أمريكا ذلك ولم تنس الطرف الآخر في المتعة " جماعة الحوثيين". فبينما هي تزود حكومة الرياض بالسلاح، كانت تضغط على المملكة لإبرام تسوية تضمن للحوثيين، شراكة رئيسية في السلطة.
 
زيارة سرية
 
ورغم الحظر الجوي، أقلت أمريكا وفدا من قيادات الجماعة نهاية مايو 2015 في رحلة سرية من صنعاء الى مسقط، والجلوس معا للتباحث حول صيغة  لإتفاق سياسي.
 
كانت زيارة أثارت إستياء صالح، الحليف الأساسي في الإنقلاب الذي دعمته واشنطن.
 
هنا كما الشعار والخطاب نفسه الذي صاغته ثورة الخميني هناك في طهران المعادي لأمريكا وإسرائيل كاكذوبة كبيرة ترتفع بها حناجز الغوغاء المخدوعين.  فقد حاربت طهران الشيطان الأكبر في العلن، وكانت تجلس معه على طاولة واحدة، رفقة مندوب الإستخبارات الإسرائيلية " الموساد" في باريس، لعقد صفقة التزود بالاسلحة من تل أبيب فيما عرف بفضيحة  "إيران غيت "  او إيران كونترا عام 1985م.
 
هذا شأن إيران وأذرعها الإرهابية مستمر حتى اللحظة.
 
لقد ارتبطت الحركة الطائفية بعلاقة مع أمريكا على مستويات عدة، فقد جرت الإتصالات المباشرة والتنسيق الإستخباري، وشجعت واشنطن الحوثيين وصالح على الإنقلاب، وبذلت جهدا لتسويقهم في الأقليم " كقوة أمر واقع " الطريقة المفضلة التي تحاول من خلالها امريكا الظهور في صورة " الضعيف وغير المؤثر"!
 
لكننا إذا أردنا أن نعرف طبيعة العلاقة بين جماعة الإنقلاب الميليشياوي وبين أمريكا بصورة أدق، فعلينا ان نحصل على إجابة لهذا السؤال الأهم: لمن أُرسلت واشنطن شحنة الأسلحة الأمريكية المتطورة بقيمة 500 مليون دولاربعد الإنقلاب، وقالت إنها فُقدت ؟.
 
الأرجح ان هذه الأسلحة صنعت خصيصا وجرى برمجتها على ترديد " الصرخة "!
 


التعليقات