قراءة في الموقف الروسي "الموارب" من الصراع في اليمن (تحليل)
- كمال السلامي - خاص الجمعة, 26 أغسطس, 2016 - 07:27 مساءً
قراءة في الموقف الروسي

[ وزير الخارجية اليمني مع نائب وزير الخارجية الروسي - إرشيف ]

زاد الحديث مؤخرا، عن الدور الروسي في القضية اليمنية، ليصل حد تجاذب طرفي الصراع (الحكومة الشرعية، والانقلابيين)، لذلك الدور، في محاولة لاستمالة موسكو، التي تمتلك حق النقض "الفيتو"، في مجلس الأمن، وكذا نفوذها القوي في المنطقة، سيما عقب تدخلها المباشر في سوريا، عسكريا لصالح النظام السوري.
 
وقبل أيام، خرج الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، بدعوة وجهها للحكومة الروسية، أكد فيها، استعداده لتفعيل الاتفاقيات التي كانت بين جمهورية اليمن الجنوبي، والاتحاد السوفياتي، وتفعيل التعاون والتنسيق في "الحرب على الجماعات الإرهابية"، حد وصفه.
 
وأعلن صالح صراحة، في مقابلة مع قناة "روسيا 24"، استعداده لفتح القواعد العسكرية، والمطارات والموانئ اليمنية لروسيا، لاستخدامها، في العمليات العسكرية، في محاولة منه لاستغلال الاحتكاك الروسي السعودي، في سوريا، وبعث رسائل للمملكة، وفي ذات الوقت، منح روسيا فرصة للرد على سياسات السعودية في سوريا، عن طريق دعم خصومها في اليمن.
 
موقف غير واضح
 
لا يزال موقف الحكومة الروسية من الأحداث في اليمن، مثار جدل ولغط واسع على الصعيدين السياسي والإعلامي، حيث يرى الانقلابيون في صنعاء أن روسيا تقف إلى جانبهم، بينما تعتقد الحكومة الشرعية، أن موسكو لم تكن يوما إلا مع الشرعية، وأن أي تصريحات، أو مواقف من هنا أو هناك، لا تعبر عن حقيقة الموقف الروسي الرسمي من الشرعية في اليمن.
 
فبعد تصريحات القائم بأعمال السفارة الروسية بصنعاء، أوليغ دريموف (الأسبوع قبل الماضي)، والتي تحدث فيها بإيجابية عن الخطوات التي اتخذها الحوثيون وحلفائهم في حزب المؤتمر الشعبي العام، والمتمثلة في إنشاء مجلس سياسي، واستئناف انعقاد جلسات البرلمان، كثفت الحكومة اليمنية الشرعية، من اتصالاتها مع الحكومة الروسية، لاستيضاح الموقف، وفهم أبعاد تصريحات الدبلوماسي الروسي.
 
وتوجت تلك الاتصالات، باللقاء الذي عقد السبت، 20 أغسطس/آب، بين نائب رئيس الوزراء، وزير الخارجية اليمني، عبد الملك المخلافي، مع نائب وزير خارجية روسيا، المبعوث الخاص للرئيس فلاديمير بوتين للشرق الأوسط، ميخائيل بوغدانوف، في مدينة جدة السعودية.
 
وخلال اللقاء، أكد المسؤول الروسي، أن بلاده تدعم الشرعية في اليمن، ولن يتغير موقفها من دعم الشرعية أبدا، لافتا إلى أن مواقف روسيا الرسمية، تعبر عنها بيانات الخارجية الروسية، وكذا ما جاء في بيان مجموعة سفراء الدول الــ 18 الذي شاركت فيه بلاده.
 
وأشار المسؤول الروسي، إلى أن أي تصرف أو اجتهاد حدث خارج تلك المواقف الرسمية، كان تصرفا بدون توجيهات مسبقة ولا يعكس الموقف الرسمي لروسيا، في إشارة منه إلى تصريحات القائم بأعمال روسيا في العاصمة صنعاء، التي أشار فيها إلى تأييد الإجراءات التي اتخذها الحوثيون، وحلفائهم في حزب المؤتمر الشعبي العام مؤخرا.
 
وقال بوغدانوف، إن "ما يسمى بــ "المجلس السياسي" هو تصرف أحادي الجانب لا تعترف به روسيا"، مشددا على حرص بلاده على وحدة وأمن واستقرار اليمن، لافتا إلى أنه من الصعب وجود استقرار في أي دولة تحمل فيها قوات غير شرعية السلاح، مؤكداً أن بلاده تدعم الشرعيات ولا تعترف بأي انقلابات في المنطقة بأسرها بما في ذلك في اليمن.
 
سياسة "الباب الموارب"
 
وبالرغم من تأكيد الحكومة الروسية أكثر من مرة، على دعم السلطة الشرعية المنتخبة في اليمن، وكذا تأييد واحترام القرارات الدولية الصادرة في هذا الشأن، إلا أن هناك بعض المؤشرات التي تؤكد أن لموسكو حسابات أخرى فيما يخص الأزمة اليمنية، وهي الحسابات التي تفسر إبقاءها الباب مواربا أمام سلطة الانقلابيين في صنعاء، وكذا أمام السلطة الشرعية الموزعة بين عدن والرياض.
 
والموقف الروسي المتذبذب بين تأييد الشرعية، وإغماض الطرف على إجراءات الانقلابيين في صنعاء، يكشف عن حسابات أخرى، تخضع لها سياسة موسكو إزاء الأزمة اليمنية، وهي الحسابات المرتبطة بشكل متين، بالحرب في سوريا، والصراع الدائر بين الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية.
 
مشهد متكامل
 
تنظر روسيا للأحداث في الشرق الأوسط، كمشهد متكامل، يؤثر بعضه في بعض، وبالتالي فهي تحاول توظيف تلك الأحداث، بما يخدم مصالحها وسياساتها في المنطقة.
 
وتعاظم دور روسيا وحضورها في الشرق الأوسط، منذ بدأ تدخلها العسكري المباشر في سوريا لدعم نظام بشار الأسد، وهو التدخل الذي قلب الأوضاع رأسا على عقب، وأعطى الصراع الدائر في هذا البلد، بعدا إقليميا ودوليا أكثر من أي وقت مضى.
 
وكما أسلفنا، فإن تدخل روسيا في سوريا، غير موازين القوى، كما أنه أثار حفيظة العديد من دول العالم، وخصوصا الكبرى منها، إضافة إلى أنه دفع العديد من الحكومات في الإقليم والعالم، للتفكير جديا في تأثير النفوذ الذي سيحققه الدب الروسي في الشرق الأوسط على نفوذها، ومن ثم الخطوات التي ينبغي عليها اتخاذها للمحافظة على نفوذها السابق، أو ربما الحصول على نفوذ جديد، استفادة من الوضع المرتبك للمنطقة، والذي يمثل فرصة لتعزيز النفوذ، بناء على فرضية إعادة تقسيم الشرق الأوسط.
 
تهديد مباشر
 
من أهم الدول التي ترى فيما يحدث في سوريا تهديدا مباشرا لنفوذها وأمنها الإقليمي، المملكة العربية السعودية، والتي سائها كثيرا التغول الإيراني في سوريا، والدعم الروسي الذي عزز موقف بشار الأسد، ومن ورائه الإيرانيين، وهذا ما دفع الرياض للتدخل في محاولة لفرض معادلات جديدة، توقف هذا التغول الإيراني في سوريا.
 
ومؤخرا، تمكنت المملكة العربية السعودية، مع حلفاء إقليميين آخرين، من إنضاج تيار الثورة ضد بشار الأسد في سوريا، وفعلا آتى الدعم والجهد السعودي، ثماره، من خلال توحيد فصائل المعارضة السورية، وكذا إمدادها بالسلاح النوعي، والخطط العسكرية المناسبة، لخوض معركة فك الحصار عن حلب، حلب التي تحاصرها قوات نظام الأسد، وكتائب الحرس الثوري، والفصائل الشيعية القادمة من لبنان والعراق وإيران وأفغانستان، بغطاء جوي روسي قوي.
 
وكان لمعركة حلب التي انطلقت أواخر يوليو/تموز الماضي، أثر بالغ على الصراع الدائر في سوريا، كونها أعادت زمام المبادرة للثوار، بعد الضربات الموجعة التي تلقوها طيلة الأشهر الماضية، حتى وصل الحال إلى محاصرتها في أحياء عديدة في حلب.
 
وكما أنها كانت مفاجئة لقوات النظام السوري وحلفائه الإيرانيين وفي حزب الله، كانت معركة حلب أيضا، بمثابة الصدمة لحلفاء دمشق الدوليين، وفي مقدمتهم روسيا، التي أبدى إعلامها دهشة وارتباك غير مسبوق من هذه المعركة التي لم تكن بالحسبان.
 
وما إن تلاشت الدهشة الروسية، إزاء معركة حلب، حتى بدأت موسكو في دراسة وتفسير معطيات هذا التحول القوي في مسار الصراع بسوريا، وسرعان ما اهتدت إلى أن المملكة العربية السعودية، ذات اليد الطولى فيما حدث ويحدث في حلب، ولقد ترجم هذا الأمر، العديد من المسؤولين الروس، والإيرانيين والسوريين، من خلال تصريحاتهم التي أشاروا فيها إلى أن الرياض، هي من تقف وراء معركة حلب وتوحيد فصائلها، ودعمها بالسلاح.
 
"نكز" للمملكة
 
ما يهمنا في الأمر، هو أن موسكو، عقب انطلاق معركة حلب، بدأت بالتفكير في استغلال بعض المعطيات الإقليمية للرد على من يقف وراء تقدم ثوار سوريا، ولقد كانت اليمن، أقرب الخيارات الروسية، وأنجعها، لإيصال رسالة موسكو للرياض.
 
وفعلا باشرت موسكو بالرد على السعودية في اليمن، لكن بمستوى أقل، وذلك من خلال إفشال صدور بيان في مجلس الأمن الدولي، يلزم الحوثيين بالتعاطي بإيجابية مع المقترح الأممي لحل الأزمة في اليمن، وذلك بعد يومين فقط من بدء معركة فك الحصار عن حلب في سوريا.
 
وتأكيدا لما سبق، قال الكاتب السعودي المعروف جمال خاشقجي، في مداخلة له على "التلفزيون العربي"، قبل قرابة أسبوعين، إن روسيا سترد على انتصارات الثوار في حلب، من خلال دعم الحوثيين في اليمن، مضيفا أن "الروس غاضبون، ويريدون أن يردوا على السعودية".
 
بدوره، أشار الكاتب القطري، فيصل بن جاسم آل ثاني، إلى الدور الروسي الجديد في اليمن، والذي يهدف – حسب قوله – لابتزاز دول الخليج العربي.
 
 وقال الكاتب القطري، في تغريدات له على موقع "تويتر"، إن الدور الروسي في اليمن يكبر بتنسيق وموافقة أمريكية، بهدف ابتزاز الخليج، واستنزافه.
 
"آل ثاني"، ذهب إلى أن الحل الوحيد لمواجهة هذا الدور في الروسي في اليمن، يكمن في سوريا فقط، من خلال مد الثوار بمضادات الطيران الكافية، حسب قوله.
 


التعليقات