«القاعدة».. «فوبيا» صالح لليمنيين والعالم (تقرير)
- الشرق الاوسط الجمعة, 19 فبراير, 2016 - 01:16 مساءً
«القاعدة».. «فوبيا» صالح لليمنيين والعالم (تقرير)

[ يستغل صالح القاعدة لتنفيذ اجندته الخاصة ]

وجد تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» في ظروف الحرب التي يمر بها اليمن حاليا فرصة ذهبية للتوسع والسيطرة على المزيد من المناطق، إذ سيطر التنظيم خلال الأسبوع الماضي على مدينة عزّان في مديرية ميفعة بمحافظة شبوة، جنوب شرقي اليمن. وجاء مسلحو «القاعدة» إلى عزّان قادمين من مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، التي يسيطر عليها التنظيم المتطرف منذ الثاني من أبريل (نيسان) من العام الماضي، بعد انسحاب القوات العسكرية الموالية للمخلوع علي عبد الله صالح من المدينة، بصورة مفاجئة، كما يسيطر عناصر التنظيم المتشدد على أجزاء واسعة من محافظة أبين إلى الشرق من مدينة عدن.
 
يؤكد المراقبون في اليمن أن تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» محظوظ للغاية، لأنه وجد حليفا قويا كالرئيس المخلوع علي عبد الله صالح. وفي الواقع، كل الشواهد والدلائل تؤكد العلاقة المتينة بين الرجل وقيادات هذا التنظيم في إطار تبادل المنافع. وأغلب التقارير تؤكد أن صالح استخدم عناصر التنظيم المتطرف منذ مطلع تسعينات القرن الماضي في تصفية خصومه السياسيين في الحزب الاشتراكي اليمني، شريكه السابق في الوحدة اليمنية التي قامت بين شطري اليمن في 22 مايو (أيار) عام 1990.
 
كذلك استخدم صالح «القاعدة» في «ابتزاز» الولايات المتحدة ودول الغرب بقضية الإرهاب طوال العقدين الماضيين، ويقول المراقبون إن الاعتقالات التي كانت أجهزة صالح تنفّذها في صفوف عناصر «القاعدة» لم تكن سوى اعتقالات «صورية»، وكذلك المحاكمات. ويشيرون إلى أنه على الرغم من نفي المخلوع صالح وجود هذه العلاقة منذ بدء الحديث بشأنها، فإنها أصبحت واقعا لا يقبل التشكيك بعد تسليم قواته في 2011، إبان الثورة الشعبية الشبابية التي اندلعت للإطاحة به، محافظة أبين إلى التنظيم. والشيء نفسه حدث في حضرموت وبعض مناطق شبوة.
في حقيقة الأمر بات اليمن البلد الوحيد في العالم، تقريبا، الذي يسيطر فيه تنظيم القاعدة على مدن ومحافظات بكاملها. ففي محافظة شبوة (شرق عدن وغرب حضرموت) يسيطر التنظيم الآن على مدينة عزّان، وتتمركز قوات «القاعدة» على مداخل المدينة ومخارجها، كما يقوم عناصر التنظيم بالإشراف على إدارة وتأمين المدينة عبر نقاط أمنية نصبها تنظيم القاعدة بكثرة. وللتنظيم راهنا حضور واضح في مديرية الصعيد بقرية الشعبة والمناطق الجبلية بين مديريتي الصعيد وحبّان ومديرية المحفد، كما يوجد في المحفد معسكر تدريبي لأفراده.
 
وبحسب مصادر التقتها «الشرق الأوسط» فإن مجاميع مسلحة كبيرة من التنظيم موجودة كذلك في بيحان، كما يوجد لها نشاط في هضاب شبوة المحاذية لحضرموت وصحراء شبوة. وهؤلاء ينشطون أيضا في الساحل بين رضوم ومديرية حجر حضرموت. ويُعد القيادي المتطرف سعد بن عاطف من كبار «القاعدة» في شبوة، وهناك أيضا الشيخ «أبو محمد» أحمد باراسين العتيقي والقيادي البيحاني وقيادي آخر من مدينة ميفعة.
 
ووفق تقدير شيوخ قبليين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» فإن عدد مقاتلي «القاعدة» في محافظة شبوة وحدها يتراوح ما بين 500 و700 مقاتل. وحسب هؤلاء يمتلك التنظيم العشرات من السيارات الرباعية الدفع من نوع «تويوتا» طراز «هايلوكس» وما يزيد على 15 طقما عسكريا، و6 مركبات مصفحة و8 مدرعات و5 دبابات، بجانب راجمتي صواريخ «كاتيوشا» و4 «بي إم بي»، وناقلتي جند.
 
وفي معرض حديثه مع «الشرق الأوسط» حول وجود «القاعدة في جزيرة العرب» في اليمن، يشرح باسم فضل الشعبي، الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، قائلا «إنه من المعروف أن الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح يرتبط ارتباطا وثيقا بالجماعات المتشددة منذ الحرب في أفغانستان، ولقد استخدم هذه الجماعات في صراعاته المحلية مع خصومه كما حدث في حرب صيف 1994، وأثناء الثورة الشعبية 2011، وصولا إلى اليوم، إذ حينما هزم في الجنوب لجأ لاستخدام ورقة الإرهاب للانتقام وإعاقة عملية التغيير».
 
وأوضح الشعبي أن محافظة حضرموت «سلمت تسليم اليد للجماعات المتشددة أمام مرأى ومسمع المنطقة العسكرية الثانية، ومقرّها مدينة المكلا». وأضاف: «لقد صدرت الأوامر من المخلوع صالح بتسليم عاصمة حضرموت من دون مقاومة من قبل الجيش، وبالأمس تم تسليم مدينة عزّان بمحافظة شبوة في محاولة لخلط الأوراق وإعاقة انتصارات المقاومة والجيش الوطني والتحالف وتشتيت جهودهم، إلا أنه سيفشل في كل ذلك، وستسقط صنعاء في يد الجيش الوطني والتحالف، وسيتحرر اليمن بالكامل».
 
وأرجع الشعبي، وهو رئيس مركز مسارات للدراسات والاستراتيجية، وجود الجماعات المتشددة في محافظات أبيَن وشبوة وحضرموت إلى أنها «مناطق واسعة المساحة وجبلية من ناحية، ومن ناحية أخرى فهي مناطق قبائل يلقى فيها القاعديون بعض التعاطف، ثم من ناحية ثالثة هي مناطق غنية بالثروات ويدخل ذلك ضمن صراع مراكز القوى على الثروة والنفوذ». وأكد الباحث أنه في حال استعيدت الدولة من خاطفيها فستتلاشى ظاهرة الجماعات المتشددة من هذه المناطق.
 
في محافظة أبين، القريبة من عدن، يسيطر التنظيم المتطرف حاليا على أجزاء كبيرة من المحافظة بنسبة تقدّر بنحو 70 في المائة، وهي تضم خصوصا عاصمة المحافظة مدينة زنجبار ومديرية خنفر المجاورة لها. وتنتشر نقاط كثيرة لمسلحي التنظيم على مداخل ومخارج أبين من جميع الاتجاهات. ويذكر أن التنظيم سيطر على محافظة أبين في أعقاب هجوم استهدف قيادات في اللجان الشعبية (مسلّحين شعبيين منظمين شكلوا لجانا في أبين لمواجهة «القاعدة») خلال ديسمبر (كانون الأول) 2012، في حين يوجد العديد من المعسكرات التدريبية لـ«القاعدة» في جبال المراقشة وتحديدا في منطقة موجان وجبال الكور شرق مديرية مودية، ويملك المسلحون هناك العديد من الأسلحة التي أقدموا على نهبها خلال الحرب الأخيرة، وقاموا أيضا بشراء كميات أخرى من جبهات القتال.
 
ويقدر عدد مقاتلي التنظيم في محافظة أبين اليوم بأكثر من ألف مقاتل، وأبرز قياداتهم هناك كان جلال بلعيدي، الذي استهدفته طائرة من دون طيار (درون) في منطقة موجان شرق مدينة شقرة خلال الأسبوع المنصرم وأدت إلى مقتله، وعقب ذلك بادر التنظيم إلى رفع راياته فوق جميع المرافق الحكومية بالمديريات وزنجبار عاصمة المحافظة.
 
ومن جهة ثانية، قام التنظيم في أبين في الفترة الأخيرة، في أعقاب سيطرته على عاصمة المحافظة والمدن المجاورة لها، بنشر وتوزيع ملصقات ومنشورات في مدينة لودر تهدف إلى «تحكيم شرع الله»، واستهدف التنظيم عددا من المباني الحكومية أقدم مسلحوه على تفخيخها وتفجيرها، أكبرها مبنى الأمن المركزي في مدينة زنجبار، وكذلك معسكر خفر السواحل. ووفق المصادر المطلعة، يمتلك «القاعدة في جزيرة العرب» في محافظة أبين ترسانة ضخمة من الأسلحة تضم أكثر من 12 سلاحا مضادا للطيران و15 مدفع هاوتزر ودال 30، إضافة إلى 6 دبابات وهواوين و«بي 10» و15 مدفع «دوشكا» وأكثر من 25 طقما عسكريا، بين مدرع وعادي، وأطقم عسكرية أخرى.
 
مع هذا، يعتبر الخبير العسكري العميد فيصل حلبوب التنظيم «تنظيما مفتعلا صنعه المخلوع صالح». ويشير موضحا إلى أن «تنظيم القاعدة العالمي رفض تنظيم قاعدة جزيرة العرب وأنكر صلته به، لكن في الوقت نفسه يصر التنظيم الموجود في الجنوب اليمني على أنه جزء من التنظيم العالمي، ولا نعرف لماذا كل هذا الإصرار». وتابع العميد حلبوب كلامه لـ«الشرق الأوسط» شارحا أن «تنظيم القاعدة في اليمن المدعوم من الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح وجد فراغا سلطويا وضعفا أمنيا في بعض محافظات الجنوب، فظهر كأنه البديل لحكم هذه المحافظات، حيث نشط بشكل مكثف في حضرموت كبرى محافظات الجنوب».
 
وأشار حلبوب إلى أنه «في 2 أبريل الماضي، انسحبت كل التشكيلات العسكرية التابعة للجيش والأمن اليمني والموالية للحوثيين والرئيس السابق المخلوع صالح، ولم تُبدِ أي مواجهة تذكر أمام مسلحي التنظيم، وهذا ما يثبت بصورة قاطعة أن المخلوع صالح هو الداعم الرئيسي لهذا التنظيم، وليست للتنظيم اليمني صلة بالتنظيم العالمي لـ(القاعدة)».
 
وتابع الخبير العسكري شرحه قائلا: «محافظة شبوة هي الأخرى تعد من أهم مناطق نفوذ التنظيم المتطرف، وهي المحافظة الثانية التي يبسط عناصر التنظيم سيطرتهم على أجزاء كبيرة منها، خاصة بعد إعلان إمارة عزّان، وهي الإمارة الثالثة بعد إمارة زنجبار وإمارة وقار (جعار) في أبيَن». ويتمتع التنظيم، حسب كلام حلبوب «بحضور قوي في شبوة، ويتحرك بحرية كاملة في ظل غياب أجهزة الأمن عن المناطق التي يسيطر عليها».
 
ويشير إلى أنه «يتحصّن في شبوة أيضا أبرز قيادات «القاعدة»، وفيها لقي أنور العولقي - أشهر منظري التنظيم - حتفه يوم 30 سبتمبر (أيلول) 2011 بقصف طائرة أميركية من دون طيار، كما أن مدينة زنجبار عاصمة محافظة أبيَن سقطت تحت سيطرة التنظيم أكثر من مرة منذ احتجاجات فبراير (شباط) 2011».
ما يستحق الإشارة أن وجود تنظيم القاعدة لا ينحصر في جنوب اليمن فقط، بل هو موجود في معظم المحافظات اليمنية وإن بدرجات متفاوتة. لكن من خلال سيناريو الأحداث فإن صالح أراد للجنوب أن يكون مقرا رئيسيا للتنظيم. ويُعتقد أن هذا الأمر خطّط له منذ فترة طويلة بين بعض الشخصيات اليمنية وزعيم التنظيم السابق أسامة بن لادن، المتحدّر من أصول يمنية حضرمية. ولقد أثري التنظيم، بشكل لافت، خلال العام الماضي من عمليات نهب البنوك ومؤسسات الدولة بشكل كبير، إضافة إلى نشاطه في بيع النفط في محافظة حضرموت، وهو ما يشكل نسبة كبيرة من الدخل بالنسبة لقيادات التنظيم التي تعيش في القصر الجمهوري في المكلا.
 
وتتباين وجهات النظر حول مشكلة وجود التنظيم في اليمن، بنظر كثرة من المراقبين، بين مَن يعتقد - بل يجزم - أنه سيسهل القضاء عليه بمجرد التخلص من الانقلاب والتمرّد المتمثل في الحوثي وصالح، ومن يرى ضرورة العمل من الآن على اجتثاثه قبل أن يتحول إلى «داعش» آخر، خاصة في ظل وجود مؤشرات على ذلك. إذ لم يعد الانضمام إلى مثل هذه التنظيمات المتطرفة مسألة عقدية أو عقائدية بقدر ما أضحى مهنة ومصدر «ارتزاق».
 
غير أن هناك من يصر على التفاؤل ويرى أن دول التحالف، وعلى رأسها السعودية، لن تقبل بأن يتحوّل جنوب اليمن إلى وكر ومنطلق للجماعات المتشددة، خاصة أن المتمردين في صنعاء (الحوثيين وصالح) يزايدون على هذه الإشكالية أمام المجتمع الدولي في الوقت الراهن. ولقد اتخذوا من بضع مئات جرى توزيعهم من صنعاء، حسب المراقبين، في مناطق الجنوب مسوغا لاجتياح الجنوب بحجة محاربة «القاعدة» والتكفيريين والدواعش، على حد وصفهم، رغم أن مواجهة واحدة لم تجر بين الحوثيين المدعومين من إيران وجماعة «القاعدة»، حتى اللحظة، في اليمن.
 


التعليقات