"أهل البيت"...تسييس المصطلح
الخميس, 12 يناير, 2017 - 11:09 صباحاً

كثير من المصطلحات ذات البعد الديني الاجتماعي في صدر الإسلام مرت عليها العديد من «عمليات التفريغ وإعادة الشحن»، لإخراجها من سياقاتها الدينية والاجتماعية إلى سياقات سياسية نفعية خالصة، لا علاقة له بالسياق الديني الذي وردت ضمنه. ولعل من أكثر المصطلحات الدينية التي أخرجت من سياقاتها الدينية إلى مساقات سياسية مصطلحي «أهل البيت» و «آل محمد».
من هم «أهل البيت»؟
 
وردت كلمة «أهل البيت» في القرآن الكريم مرتين لتعني زوجة الرجل أو زوجاته، إذ لا يمكن تفسيرها بغير ذلك حسب السياقات اللغوية للنصوص.
 
المرة الأولى: كما في الآيات التالية من سورة الأحزاب: «يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا. وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا». يلحظ ـ هنا – أن السياق اللغوي الذي ورد فيه اصطلاح «أهل البيت» ينفتح على مدلول واحد، لا غير، حسب الآيات، وهو «نساء النبي»، لأن السياق يخاطبهن حسب الصيغ اللغوية الواردة.
 
وقد وردت صيغة «أهل البيت» في سياق تعليل مجموعة التعليمات التي صدرت لنساء النبي دون غيرهن من نساء المؤمنين. حيث أمرن بالتقوى وعدم الخضوع بالقول، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله وغير ذلك. وكلها ضروب من العبادات الدينية ذات الأبعاد الاجتماعية غير المسيسة، الأمر الذي يجعل مصطلح «أهل البيت» دينياً اجتماعياً خالصاً، لا علاقة له بما تم تحميله له من إيحاءات ومدلولات سياسية في ما بعد، كنتيجة للصراع السياسي بين الأمويين والهاشميين على قيادة الأمة الإسلامية، والذي تحول في ما بعد إلى صراع قومي عربي فارسي، غلف بغلاف ديني سني-شيعي.
 
والموضع الثاني الذي ورد فيه اصطلاح «أهل البيت» كان ضمن سياق آيات سورة هود، التي تقص حوار الملائكة مع زوجة النبي إبراهيم، عندما جاءتها البشرى فضحكت، وتعجبت: كيف تلد وهي عجوز وبعلها شيخ كبير؟ «قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب. قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد» . ولا شك أن المقصود بـ»أهل البيت» هنا هي زوجة النبي إبراهيم، كما كان المقصود بـ»أهل البيت» في آيات سورة الأحزاب زوجات النبي محمد.
 
ومعروف لغة أن مفهوم «أهل بيت» الرجل ينصرف إلى زوجته. يؤيد ذلك ما جاء في قصة موسى، وهو في طريق عودته إلى مصر، كما يقصها القرآن، كما في سورة القصص: «فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله، آنس من جانب الطور ناراً، قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر، أو جذوة من النار لعلكم تصطلون»، حيث كانت زوجته رفيقته في الرحلة. مصطلح «أهل البيت» – إذن – مصطلح اجتماعي مرتبط بالعلاقة بين الرجل وزوجته، وهو مصطلح ديني نظراً لوروده في سياقات لغوية تشمل أوامر وتعليمات دينية موجهة للمقصودين من هذا المصطلح في القرآن الكريم.
ما الذي حدث؟
 
في ظل احتدام الصراعات السياسية بين المسلمين بعد العصر الراشدي، شحنت بعض المصطلحات الدينية الاجتماعية بمفاهيم سياسية واقتصادية، من أجل أهداف واضحة تدور حول السلطة والثروة. وقد تعرض المصطلح لعملية «إعادة شحن» في مضامينه، فقد أضيف لمدلولات مصطلح «أهل البيت»، مفهوم «القرابة» الذين وإن شملوا بالمصطلح، كما تذكر بعض الأحاديث النبوية إلا أنهم غير داخلين في المصطلح الذي ورد في القرآن الكريم، كما يشير السياق اللغوي. وقد ورد حديث الخمسة «أهل الكساء»، وهم في الاصطلاح الإسلامي سنة وشيعة (النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين)، حيث دعا النبي ربه أن يبعد عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا، أسوة بقول الله في أزواج النبي اللواتي هن المقصودات في الآيات السابقة كما مر معنا.
 
وبعد أن تمت عملية «إعادة الشحن»، بإدخال علي وفاطمة وابنيهما عليهم السلام ضمن المصطلح بنص الحديث لا الآية، تمت عملية أخرى، هي «عملية تفريغ» دلالي للمقصودات بالمصطلح أصلاً، وهن الزوجات ليستقر المصطلح مقصوداً به الخمسة أهل الكساء، قبل أن يُوسع في ما بعد ليشمل الأئمة الاثني عشر لدى الاثني عشرية من المسلمين الشيعة، وليس لدى كل الشيعة، حيث لا تؤمن الزيدية بفكرة الأئمة الاثني عشر من أساسها. وبعد أن تمت عمليتا، »التفريغ والإحلال» و«إعادة الشحن» لمدلولات المصطلح، جاءت المرحلة الثانية، وهي مرحلة شحن المصطلح بمدلولاته السياسية، إذ أتاح إخراج الزوجات من «أهل البيت» الفرصة للقول بمصطلح «التطهير» في سياق سياسي لا ديني. فالمعلوم أن مفهوم «التطهير» الوارد في آيات سورة الأحزاب، والخاص بـ»أهل البيت»، هو تطهير روحي ديني لا أبعاد سياسية له، لكن هذا المفهوم تعرض في ما بعد لعمليات «تجريف دلالي»، ليعني فيما بعد «مفهوم العصمة»، الذي تطلقه الشيعة الإمامية على أئمتها الاثني عشر. وقد تمت عملية «تجريف المدلول» هذه لأن «العصمة» هي المقوم الأساس، والرافعة المحورية لفكرة «الإمامة» عند الإمامية، إذ من شروط الأئمة أن يكونوا «معصومين»، وهو الأمر الذي دعا إلى «تجريف دلالة» «التطهير» من محتواها الروحي إلى محتويات سياسية، ولتصبح «العصمة» من خصائص الأئمة الإثني عشر، وليس من خصائص زوجات النبي المعنيات بمدلول «التطهير» – أصلاً – كما في سياق الآيات السالفة.
 
ولخدمة الأغراض السياسية عينها تم الخلط بين مصطلح «أهل البيت»، ومصطلح آخر هو مصطلح «آل محمد»، لدعم تحويل هذين المصطلحين من سياقاتهما الدينية إلى سياقات سياسية لا علاقة لها بالمحتوى الديني الاجتماعي لهذين المصطلحين. فـ»الآل» بنص القرآن الكريم هم الأتباع، بدليل قوله تعالى «ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب»، وهم أتباع فرعون، لأن زوجته كانت مؤمنة بنص القرآن.
 
وقد وردت كلمة «آل» في القرآن 26 مرة بمعان مختلفة كلها تدور حول التبعية الدينية لا العصبية أو العرقية، غير أن «آل محمد» أصبح لدى الطامحين السياسيين مفتوحاً على الدلالة ذاتها التي فتحت عليها دلالة «أهل البيت»، وهي دلالة «الائمة المعصومين لا غير، في تجريف واضح للدلالات، وتفريغ وإعادة شحن للمصطلحات والمفاهيم.
 
لعبت السياسة ـ إذن – دورها لتحويل هذه المصطلحات من الديني إلى السياسي، بل إن مصطلح النبي نفسه جرت عليه محاولات عديدة للنظر إليه باعتباره أباً أكثر من كونه نبياً، رغم ورود قوله تعالي «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم»، ورغم تصديق الواقع لهذا النص، إذ لم يعش للنبي أبناء من الذكور.
 
كل ذلك كان من أجل أن يشحن اصطلاح «النبي» بمفاهيم سياسية، لحرفه عن مساراته الروحية، تلك المسارات التي يراد بها – أصلاً – أن تكون سبيلاً للخلاص الروحي على المستوى الفردي، وطريقاً للإصلاح العام على المستويات الاجتماعية.

*من حائط الكاتب على فيس بك

التعليقات