الاعتراف بالآخر والخرائط
الثلاثاء, 14 فبراير, 2017 - 10:39 صباحاً

لاتسقط في أسر التاريخ. إنه فخ هائل. إن دخلته خائفًا يتحول منجم أحقاد. يضاعف مخاوفك. وتوترك. يلهب مشاعرك ويشحذ أسلحتك. يفتح جروحك ويوقظ ثاراتك. لا معنى للتاريخ إلا إذا زرته هادئًا ودارسًا وساعيًا إلى استخلاص العبر. قيمة التاريخ أن تتعلم منه ما يفيد الحاضر ويفتح بوابات المستقبل.
 
أنهكتنا الحروب الوافدة من الماضي. لو جمعنا خسائر أهل الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة لأدركنا أننا نعيش حربًا عالمية مسرحها إقليم واحد. يكفي إحصاء جنسيات المحاربين الذين تسللوا إلى هذه الدولة أو تلك وانخرطوا في نزاعات ليست أصلا نزاعاتهم. يكفي تعداد هويات الطائرات التي تشن غارات في الإقليم.
 
نزاعات من قماشة حروب عالمية. ملايين اللاجئين والنازحين. مئات ألوف القتلى. تغييرات ديموغرافية وعرقية. ومسالخ بشرية. جموع تهرب من أوطانها وتلقي بنفسها في وحشة الطرق أو قوارب الموت أو مخيمات الذل وانتظار الأرغفة. دول سائبة أو مستباحة. ودول متصدعة. جيوش خائفة وميليشيات شرهة. يذهب المستبد الكبير فيتقاسم البلاد صغار المستبدين. لا الوساطات تنفع ولا الانتخابات تجدي. تحولنا عبئًا على أنفسنا وكابوسًا للعالم.
 
أكاد أخاف من الصور الوافدة. تذكرني بأفلام قاسية وكتب قرأناها عن الحرب العالمية. ليس بسيطًا أن تتحول أحياء مدينة حقلا من ركام. وأن يفر أهلها حاملين أحزانهم ورعبهم وأطفالهم. وأن يتسول الهاربون ملجأ أو خيمة أو جواز سفر. قبل عامين ذهبت لزيارة لاجئين سوريين وصلوا إلى برلين. قال شاب كابد الرحلة في قوارب الموت إنه سعيد لوصوله إلى بلد بلا قتل ويمكن العثور فيه على ثلاث وجبات. يا للهول.
 
أفكر أيضًا في ملايين العرب الصغار الذين يقيمون منذ سنوات خارج المدارس. في أحاديث القسوة والوحشية التي يستمعون إليها عن مجريات المذابح في بلدانهم. أفكر في الأحقاد التي تتجمع في أوردتهم. في الخيارات الانتحارية التي قد تجتذبهم. وأفكر أيضًا في الخسائر الهائلة التي ستدفع الدول المنكوبة إلى انتظار المساعدات الخارجية لإعادة إعمار ما دمرته المقامرات الدموية. ويصعب الاعتقاد أن العالم سيكون جاهزًا لإعادة إعمار دول فاشلة ومشرذمة ولا يمكن الوثوق بتعهدات سلطاتها واتفاقات فصائلها. خسائر بشرية رهيبة. وخسائر مالية هائلة. وعقود من الإقامة في نزاعات الماضي فيما العالم يتقدم ولم يعد يريد منا غير اتقاء أخطارنا.
 
لن ينقذنا العالم ما لم نتقدم لإنقاذ أنفسنا. ثمة قرارات كبرى لا بد من اتخاذها. قرارات راوغنا بشأنها وأخفينا حقيقة مشاعرنا. أول القرارات هو أن نسلّم فعلا بالتعايش على مستوى الإقليم. أن نقبل الآخر وحقه في الاختلاف. وحقه في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها. وأن نحترم بديهيات تعلمتها أوروبا بعد تجاربها المريرة ودروسها القاسية. وبينها إحالة جروح التاريخ إلى متحف التاريخ. تمامًا كما فعلت فرنسا وألمانيا. والبحث عن مشتركات وجسور. واحترام الحدود الدولية. وتقديم معركة التنمية على كل ما عداها. والإنفاق على الجامعات أكثر من الإنفاق على الثكنات.
 
درس آخر هو قبول الخريطة. حتى لو بدت في لحظات التهور ثوبًا ضيقًا أو ظالمًا. قسوة الخريطة تقل بكثير عن قسوة التلاعب بالخرائط. والخرائط تشبه الأفراد تمرض وتنتكس وتشيخ. والحكومات العاقلة هي التي تتنبه لأهمية صيانة الخرائط. بحسن الاستماع إلى الناس. وتبديد المخاوف. وإشراكهم في معارك المستقبل لا الماضي. واللحاق بالعصر. وبناء مؤسسات لا تطيحها أي عاصفة مقتربة.
 
لن يخرج الشرق الأوسط من نكبته إلا بالعودة إلى قرار التعايش. أحلام الإبادة والشطب والهيمنة لا تنجب إلا المذابح. والقوي اليوم قد يكون الضعيف غدًا. وقد يتجرع السم الذي ابتهج بإرغام الآخرين على تجرعه. لا استقرار في بيت الشرق الأوسط من دون قرار واضح بالاعتراف بالآخر. خارج الخريطة وداخلها. وبتقديم سياسة الجسور على سياسة الجدران. الاعتراف بالآخر. وبالحدود الدولية. والالتفات إلى تحسين معيشة الناس. وتوفير مدرسة عصرية. وفرصة عمل. وإشراك الناس في ورشة التنمية.
 
من دون قرارات كبرى لن نغادر الهاوية. سنشيّع المزيد من الدول والمدن والمجموعات والأفراد. وسيذهب «داعش» وسيرثه «داعش» أشد هولا. وقد يكون المفتاح أن تفكر في مستقبل أحفادك بدل التوقف عند نتائج حروب أجدادك.
 
* نقلاً عن "الشرق الأوسط"
 

التعليقات