الطائفية... وضروس اليمن
الاربعاء, 31 مايو, 2017 - 10:21 مساءً

الشعب اليمني لديه خبرة طويلة في خوض الحرب والصبر على آلامها وويلاتها حتى أصبحت عنده عادة وثقافة، وتلك المصيبة التي حلت باليمنين قَسَّمتهم إلى فئتين، قابرين ومقبورين، لا بواكي عليهم ولا نوائح، طائرة الميراج تقصف بينما اليمني البسيط يدخن على الرصيف ويقهقه لعماها ولعدم إصابتها للهدف، ولو حل محلها وامتلك الامكانيات التي توفرت لدى قائدها لكان "يوري جاجارين" اليمن، أول من اخترق الفضاء ودار حول الكرة الارضية ثم عاد الى نقطة انطلاقته الأولى عام 1961م.
 
 اليمني الذي قهر الطبيعة ونَحتَ الرفوف الزراعية المعلقة على صدور الجبال وسفوحها، وبنى السدود وشق السواقي وأروى الأرض التي إن زُرعت لا تنتج إلا فلاً وزبيباً ورطباً ورماناً وعنباً ونخلا، الأرض التي إن امتدت اليها السواعد المخلصة امتد عطاءها إلى القلوب والعقول قبل إشباع البطون بفواكه الدنيا التي ليس لحلاها شبيهاً ولا لمذاقها مثيل.
 
 حتى دخلت خوازيق الطائفية والتفرقة بين أبنائه المتحدين قلوباً والمتحابين روحاً المنحدرين من عرق واحد وأصيل ليس فيه خليط دماء أو تعدد أجناس.
 
 الطائفية الداء المزمن التي زرعتها السلالات التي تعتقد بشكل متعنت أنها الجينات السامية والعرق المقدس والدم الذي فلترته معامل الدين، ومنحته الدعاوي التأويلية الباطلة حق السيادة والولاء، فرفضت الاختلاط مع الشعب اليمني الأصيل، صاحب الأرض والحضارة والتاريخ، تعالت عليه وغبنته حقه وأدخلته في غياهب الجهل واذاقته الوان الفقر والفاقة والألم، صنعت من قوة رجاله وأصالته ضروساً حديدية تطحن بعضها اليوم، تقاتل بعضها وإذا ما اتحدت ستشكل الرعب الذي يسكن قلوب السلالات وسيصنع لهم خوازيق الدنيا والآخرة يحلمون بها ليلاً ونهار.
 
 سلاح الدين هو الذي أُعمل في عقول اليمنيين فأثر بربوبيته عليهم واخترق طبيعتهم السمحة، وقلوبهم الرقيقة وأفئدتهم اللينة، مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم وحبه لهم، فحولت حياتهم بفعل التأويل بأحقية الحكم العابرين لحدود اليمن إلى جحيم وبلدهم الى ساحة حرب تاريخية ومطحن تفت في عظام الشعب اليمني حتى لحظة كتابة هذه السطور.
 
الطائفية العابرة للحدود رفضت الخوض في غمار الحزبية والسياسة التي يتسع مداها للجميع والعمل ضمن مجالاتها وترك استغلال الدين والعقيدة وإنشاء دولة وطنية لا طائفية، بل احتكرت الشرع وصياغة القانون وفقاً لهواها وتفصيلاً على إراداتها المنافية لمقتضيات الشرع والعقيدة جملة وتفصيلاً.
 
واتجهت الى الحرب مع من تحالف معها واختارت الهدم والإذلال والقهر للشعب اليمني واتخذته طريقاً للسلطة ومنهجاً للحكم، استجراراً لتاريخ من سبقوهم واتخاذ أدوات حكمهم بوصلة ودليل.
 
 في زمن صار الفتى منا يدرك بأن شباك الطائفية المرتبطة بنخبهم السياسية والاجتماعية المتنافسة لاكتساب الولاءات وتصدُّر المواقع سواءً كان ذلك داخل أروقة الحكم أو على صعيد تقاسم النفوذ الاجتماعي، يعتقد يقيناً أن الحرب الطائفية اليوم سببها تلك النخب التي تشب قصيداً وزواملاً في نار الفتنة بغرض التعبئة الجماهيرية والقبلية لخوض الحرب معها، وسفك دماء الأقارب ودفنهم في مقابر، في شكلها ولونها تبرز التفرقة والطائفية، تزرعها بين اليمنيين حتى بعد مماتهم ونوم الأهل في لحودهم الأزلية حتى يوم القضاء  يوم يقوم الأشهاد.
 
كل ذلك انسحب سلباً على لحمة الأمة كلها قديمها حاضرها ومستقبلها ويعزز مخاطر هدم أسس بناء الدولة عن طريق زرع مزيد من العصبيات المتكئة على القبلية والقرابة المادية والسلالية، وشراء الضمائر عن طريق الرشوة وفتح أبواب الفساد اللامتناهية، الأمر الذي أفضي في النهاية إلى تزوير الإرادة العامة ومصادرة الهوية الوطنية والتلاعب بالرأي العام، لتزييف الحق والصدق في اختيارات الشعب اليمني وحرفه عن مساراته الطبيعية، واختيار من يحكمه بحرية وعدم الالتفاف على معايير خياراته السياسية الواضحة.

همسة شعرية

 دعوات المظلومين الغارقين في قلب الدعاء
 القابعين في غياهب سجنهم بلا عناء 
سهام الليل بلا شكٍ ولا ريبٍ
سُتغرِقُ الخوان في برك الدماء
 

التعليقات