الموقع بوست

أصبح من الواضح أن التصعيدات الإعلامية الأخيرة، باتت ضمن آخر مرحلة عض الأصابع المتوقعة في الأزمة الخليجية، خاصة بعد أن بدا مجمل الرأي العام معتاداً عليها، وباتت بين مستغربة ومستنكرة، في غالب الرأي العام الخليجي، حتى داخل دول المحور، وإن أخفى السوط الأمني ما أخفى.
 
غير أن هناك سؤالاً مهماً: هل هي مرحلة عض أصابع، أم تمهيداً لواقع ستفرضه قمة الربيع الأميركي، في واشنطن، والتي تعهد البيت الأبيض بعقدها، ومن ثم تنفيذ آخر جولة ممكنة لدول المحور، على أمل أن تحقق اختراقاً في الموقف القطري لصالحهم، رغم الفشل المتكرر لهذه المحاولات.
 
والعنت الذي انتهى، إلى كوارث حصدت منها القوى الدولية والإقليمية أحلاماً، لم تتصور أن تجمعها في هذه الفترة القصيرة، والمؤلمة لكل ضمير عربي وإسلامي، فضلاً عن شعبنا العربي في كل الخليج.
 
هناك مؤشرات مهمة، بأن موعد ربيع 2018 الأميركي، وهو فعلاً ربيع، من حيث حصده لمصالح استراتيجية، ومالية ضخمة، كموسم نزل من السماء لصالح ترامب ومجمل المصالح القومية الأميركية، أهدتهم إياها مراهنة المحور الخليجي الخاسرة.
 
هذه المؤشرات، تُدلل على أن المؤسسات والبيت الأبيض، في حالة تفاهم تام على الأزمة اليوم، وقد تكون الصعوبات لا تزال قائمة أمام ترامب وفترته الرئاسية، لكن هناك تفاهماً حول حسم الأزمة، مع فريقه القومي في الإدارة الأميركية.
 
وتفاهماتهم الأخيرة، تُشير إلى أن اللعبة التي استفادوا منها، من حيث إبقاء التصعيد في الأزمة، الذي حقق لهم استنزافا لكل الأطراف، أكملت وضعها الحيوي واستنفدوها، ولا بد من طيّها، حتى لا تؤثر على وضعيتهم الاستراتيجية في الخليج، بعد رسائل ترامب المفاجئة أول الأزمة في دعم الاجتياح.
 
ومن هنا نفهم تصريحات تيلرسون الأخيرة، ومجمل الموقف الأميركي، وارتفاع صوتهم بضرورة إنهاء الأزمة، والخروج من الحياد المستتر، وهنا نعود إلى السؤال الأول، وهو عض الأصابع، فالواقع يؤكد، أن لا مجال لكسر موقف الدوحة، وخرق سيادتها لهم، بحسب مطلب الأزمة، فواشنطن في الربيع القادم، قد تبدأ تفكيك الاشتباك.
 
فما الذي يمكن أن تحققه دول المحور من التصعيد الأخير؟
 
الواضح أن عبثية التعاطي لا تزال قائمة، بما فيها استبدال اسم باسم في حكومة منفى هزلية، لا تشكل أي تهديد لا معنوي ولا مادي لقطر، وتجربة إعلان الشيخ عبدالله بن علي والعزم على تصفيته، من قبل ولي عهد أبوظبي، وما انتهى إليه المشهد، تؤكد هزالة هذا الرهان.
 
غير أن الموقف هنا قد يهدف، لرفع لغة التصعيد، للخروج بأي موقف إعلامي ومعنوي مستقبلاً، كما أنه يحاول أن يعطي الطرف الأميركي رسائل معاتبة، أو لفت موقفه، لتحسين فرص التفاوض قبل قمة الربيع.
 
والغريب للغاية، أن كل الفشل السابق المستنزف للمنطقة، لم يغيّر طريقة التعاطي، ولو أنه تم الرجوع لوساطة الشيخ صباح، والاعتذار منه عما بدر من دول المحور، اتجاه شخصيته والكويت ووساطته، ثم تفويضه لتحقيق، مخرج معنوي ينتقل بالأزمة كلياً، إلى مرحلة فك الاشتباك، لكان هذا من صالح دول المحور.
 
ولا يعرف المراقب معنى هذه السياسة الغريبة، فقد سقطت أوراق التحريض على قطر باسم الإرهاب، واستفاد منها الأميركيون، وَوُقعت الاتفاقات مع قطر، وستعود واشنطن لتطرق هذا الباب مع بقية دول المحور، التي قدمت لها المبرر التاريخي، أما الأمور الأخرى لخلافاتها، مع الدوحة، وقهرها سيادياً لصالح أبوظبي والرياض، فلن يتحقق منها شيء.
 
وقد يبقى أمر، وهو أن دول المحور، تريد ألا يتحقق فك اشتباك كلي، ونقصد بفك الاشتباك رفع الحصار، ووقف الحملات الإعلامية، التي قد تساعد في بعض الترميم للبيت الخليجي، ولكن لن تغيّر آثار الدروس الكبرى.
وهو ما تحتاج دول المحور وعيه:
 
1- انتهاء الأزمة أو تطويلها لن يمنع، وضع دول المحور، أمام تحديات فشل هجومهم على الدوحة، ليس من طرف قطر، فقد طويت المسألة، وإنما في وضع صورتهم الإقليمية والدولية، وطريقة تعاطيهم السياسي والإعلامي.
 
2- أي مراجعة للرأي العام الشعبي، وتساؤله عن لماذا اندلعت هذه الأزمة وما الفائدة من كل ما تم، مرتبطة بواقع كل دولة وملفها الحقوقي والسياسي الداخلي، وستتوقف الحملات مع قطر ولو بعد حين، ولن تستمر قطر في الرد، بعد أن يوقف استهدافها، وستراجع استراتيجيتها الإعلامية، بعد الخروج من الحرب السياسية الأشرس، في تاريخها القومي، وستواصل التهدئة الإقليمية، وهذه طبيعة التجارب السياسية ومصالحها.
 
3- لذلك القضية اليوم ليست مع قطر، على عكس موقف المحور من ربط أزماته بقطر، وهو هروب للأمام، ومن ثم لا بد لهذه الدول من مواجهة أسئلة المستقبل الوطني، واحتياجات الشعوب والناس، وأنه لا يمكن أبداً قيادة سياسات استراتيجية، بمنصات قصف من تويتر تُسقط الأخلاق والأعراف.
 
4- المسألة الأخطر، أن هذه المغامرات، جرت في وقت التقدم الإيراني، الذي لا يزال مستمراً، وتخدمه خطة التحالف الجديدة، لتصفية شرعية هادي في اليمن، وتتزامن مع مراهنات خطيرة أشعلتها الأزمة، وقربت مناطق جديدة للتوتير الطائفي والسياسي، كما هو واقع البحرين، التي لم تكن مضطرة أبداً لهذا التصعيد على قطر، ولم تستفد منه، في ظل أزمة سياسية مع المعارضة والسجناء السياسيين، وغياب أي حوار وطني، ثم الصراع الاجتماعي الجديد، بعد تفاعل قضية التجنيس السياسي، والتحدي الاقتصادي.
 
لا يوجد أي حل لوقف خسائر نكسة يونيو الخليجية، دون وقف هذه الأزمة والمبادرة بفك الاشتباك، إن ما تقوم به دول المحور، يزيد خسائرها، فالحل الأميركي لها، أعقد وأكثر فواتير من يد الشيخ صباح الممدودة لهم، فليمدوا لها الأكف، ويصالحوا شعوبهم، بعد نكبتهم في حفرة ترامب ونزف جيوبهم.