الموقع بوست
واسيني الأعرج

واسيني الأعرج

أين كانوا… ومن أين جاؤوا؟

الاربعاء, 25 أبريل, 2018 10:19:00 صباحاً

في السنوات الأخيرة، أصبح أمير تاج السر صوتاً روائياً عربياً كبيراً له مكانته في الرواية العربية الجديدة، كمّاً وكيفاً. ثلاثون سنة من الجهد الكتابي، بلا توقف، على الرغم من مسؤوليات العمل الوظيفية، عمله في الدوحة كطبيب الذي يجبره على الحضور الدائم. كثافة منتجه الروائي، وقيمته الأدبية المميزة، والجوائز التي فاز بها في السنوات الأخيرة، إضافة إلى المتابعة الإعلامية العربية لأعماله، وضعته عن استحقاق، في الواجهة الأدبية، ووسعت من مقروئيته. ما يكاد ينتهي من رواية، حتى تأخذه تفاصيل رواية جديدة، قد يكون مصدرها القارئ نفسه كما في حالة روايته الأخيرة: زهور تأكلها النار. وهو بهذه الممارسة يخترق عادة خاله الطيب صالح، الذي ظل مقلاً أدبياً. لا قاعدة للكتابة في النهاية، سوى منطقها الخاص بكل كاتب.
 
لم يترك أمير تاج السر أية موضوعة إنسانية خارج مداراته الإبداعية، وهذا ما دفع بالنقد إلى أن يمنحه الثقة التي يستحقها، ففاز بالعديد من الجـــــوائز العربية المهمة. في صائد اليرقات، فرض الروائي أسلوبه ورؤيته. الأمر الذي انتهى بالرواية إلى القائمة القصيرة. ثم تتالت الروايات التي اخترقت مختلف القوائم أو الجوائز: 366 في 2014، منتجع الساحرات في 2017. وحصل على واحدة من أهم الجوائز العربية: كتارا.
 
روايته الأخيرة زهور تأكلها النار، كللت بوصولها إلى القائمة القصيرة. افترض الكاتب في هذه الرواية، مدينة افتراضية أطلق عليها السور، ورماها في عمق الصحراء، لا شيء إلا الرمال الحارقة والرياح الساخنة والوحــوش الضارية، وسماء جافة، وبشراً وضعوا أنفسهم حكّاماً على الناس بوصية إلهية افترضوها في أنفسهم، وشرعوا في تطبيقها، بعد أن أرجعوا عقارب الساعة سنوات ضوئية إلى الوراء، حيث لا شيء سوى القوة والتقتيل المجاني، والوحشية في أقاصي تجلياتها البدائية التي سرقت من الناس كل إمكانية للعيش والحياة الهانئة. من أين جاء هؤلاء القتلة؟ كيف نزلوا على هذه الأرض الجميلة والبريئة فدمروها؟ كيف تشكلوا عبر الزمن القاسي، جسداً غريباً لا يرتاح ولا يجد توازنه إلا داخل الدم والتدمير.
 
لا يحتاج القارئ إلى كبير جهد لإدراك رمزية ما افترضه الكاتب. واضح أن مدينة السور هي الصورة المختزلة عن الكثير من المدن والبلدان العربية. تتقاطع معها في جوهرها وتاريخها المرتبك. كانت في الحقب السابقة، كما جميع المدن العربية التي مرت على الاستعمارات المختلفة العثمانية أو اللاحقة، الغربية، مدناً مثقلة بالظلم، تبحث عن مسالكها داخل تحررها، لكن أيضاً كانت مساحات من الحرية وإمكانات العيش والحياة. خرائطها جميلة وغنية، لا إقصاء فيها لأي مكون من مكوناتها. نجد فيها تواؤماً كبيراً بين الأشياء مهما كانت مختلفة في ما بينها، المسجد والكنيسة والكنيس والمعبد البوذي، يتجاورون من دون أن يقصي القوي عددياً الضعيف، مهما كانت الخلافات الطقسية والتاريخية. تواجهنا كلما عبرنا شوارعها، المقاهي، والملاهي الليلية. وللكل الحق في المدينة، يجد فيها ما يريده ويرتضيه.
 
وكان ريتم المدينة هو نفسه إيقاع مدن العالم عموماً. الحياة فيها ليست ممكنة فقط، ولكن جميلة أيضا. فجأة نزل عليها قوم هم أقرب على حراس النوايا. يجرون وراءهم ظلام مجموعات اليقين المطلق. قلبوا النظام بسرعة غريبة، وفرضوا نظم القرون الوسطى، ولا يترددون في قتل كل من يخالفهم الرأي. حالة شبيهة في جوهرها بالانقلاب الذي رحل به المرابطون نحو الأندلس لحماية المسلمين من طغيان المسيحيين، وتحولوا بسرعة إلى قتلة أمام حضارة لم يكونوا قادرين على مجاراتها، ففرضوا كل التخلف الذي صاحبهم فكريا على سكان كان إسلامهم أكثر انفتاحاً بحكم عيشه في كنف ثقافات متعددة ومتنوعة. الأندلسي الذي تربى في الحرية وجد نفسه وجهاً لوجه أمام أخيه الحامل لقيم العودة إلى الخلف، وكان على هذا الأندلسي المطالب بالحماية أمام مأزق شديد الخطورة: أية حماية أمام أخ جلب وراءه آلة الموت وليس النجاة.
 
هناك شخصيات وأماكن، على الرغم من رمزيتها وبعض غموضها لا يمكنها إلا أن تقود القارئ نحو حقائق شبيهة، يعيشها اليوم بالكثير من الخيبة والحزن. المتّقي يشبه الكثير من قادة داعش، قاتل بلا رحمة. اقتحم مدينة السور بجيش من القتلة المرتزقة، لا رحمة في قلوبهم، فقتلوا أهلها الآمنين، وسبوا نساءها، فانقسم المجتمع في النهاية إلى فريقين: مجموعة الإيمان ويجسدها «المتقي» وجماعته من الذين أطلقوا على أنفسهم زوراً اسم «الجهاديين»، ومجموعة «الكفر» الذي يشمل الذين لا يؤمنون بأطروحات التقي وزمرته، من مسلمين وأقباط ويهود وبوذيين وغرباء اختاروا العيش في السور لأنهم وجدوا فيها الراحة والخير والطمأنينة، من أمثال «خميلة جماري عازر»، القبطية التي درست علم الجمال في القاهرة والمولعة بالفلسفة والروايات وحب الشعر الإسباني. والجميلة «أمبيكا بسواس»، البوذية العاشقة بدورها للفكر والثقافة. و«طائعة» التي تنتهي نهاية تراجيدية، في عالم شديد القسوة والظلم. أهم شخصية مرجعية في الرواية هي «ماريكار فندوري» العاشقة للشعر والحافظة له.
 
فقد رسمت بأناملها الرقيقة ودقتها، على ظهر صديقتها القبطية «خميلة» زهوراً ملونة تأكلها نار مشتعلة. وكلها علامات أكثر منهن نساء، حاملات للحياة والجمال والإبداع. تجبرن بعد سبيهن، على التحول بعد تدمير جيش «المتّقي» لكل عناصر التواؤم داخل مدينة السور. في بيت «أم الطيبات» يصبح اسم «خميلة» «النعناعة»، واسم «أمبيكا» «الخنساء»، و«ماريكار» «مِسبحة»، بهدف تزويجهن لقادة جيش «المتقي» ومجموعته الجهادية، للمتعة، فهن سبايا. وتفرض عليهن العبودية، وكل من احتج أو رفض قرارات المتّقي، قُطع رأسه، مثل حالة «طائعة» التي تعدم وترمى في حفرة وكأنها لم تكن.
 
 فجأة تتحول السور إلى مرتع للقتلة والمجرمين المعادين للحياة والجمال والإبداع. من أين جاء هؤلاء القتلة الذي أحرقوا كل شيء ودفعوا بالمدينة إلى مغاور القرون الوسطى، وعودة مجتمع الرق الأبيض، والقتل والاغتصاب والخيانات والموت البطيء؟ سؤال تتركه الرواية معلقاً مراهنة على قارئها العربي الفذ الذي يعرف مقابلات معادلة العنف والضغينة المعاشين اليوم بمأساوية في أغلب المدن العربية.