الموقع بوست
واسيني الأعرج

واسيني الأعرج

الرقابة: مؤسسة الظلمة والمحو

الاربعاء, 11 يوليو, 2018 10:21:00 صباحاً

اتخذت الرقابة الأدبية والفنية عالميا، صيغا متعددة، من الإهمال المقصود إلى الرقابة القاسية بالمنع والحرق. ألم تحرق «ألف ليلة وليلة»؟ وقبلها كتب ابن رشد؟ وبعدها «الخبز الحافي» لمحمد شكري؟ ألم يصادر كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي قرابة المئة سنة؟
 
لهذا كلما ذكرت رواية «أولاد حارتنا»، انتابتني حيرة نجيب محفوظ، وهو يتحسس رقبته، بعد أن تفجرت دما بسبب الجرح الغائر، الذي كاد يودي بحياته، دون أن يفهم سر محاولة اغتياله في 1994، وهو الرجل المسالم أبدا. كيف استطاع نجيب محفوظ أن يقاوم موتا أكيدا بجسد أفناه الزمن، وكيف استطاعت رواية ذبحتها سكاكين التخلف والمنع والمصادرة والحرق ورقابة القرون الوسطى، أن تواصل الحياة بعد وفاة صاحبها، بل وتكشف في كل مرة عن بعض أسرارها الخفية؟
تستحق رواية «أولاد حارتنا»، مثل كل النصوص الاستثنائية العظيمة، كل الخلود والاستمرار في الذاكرة الجمعية.
 
الرواية غيرت، ليس فقط يقين الحكي، ولكن المطلقات الرمزية الجاهزة. بعد كل هذا الزمن الذي قطعته الرواية والعقبات، التي تخطتها، مثل كل النصوص العظيمة، هل يعقل أن تمنع بجهالة تفسير افتراضي ولا يعاقب من منعوا الملايين من القراء من اللقاء بها في وقتها على الأقل، وفوضوا أنفسهم سادة الحق والحياء والحفاظ على أخلاق المدينة؟ لدرجة أن نجيب محفوظ بسلميته وتسامحه، منع نشر الرواية في مصر إلا بمقدمة إسلامية سيكتبها لاحقا، المفكر أحمد كمال أبو المجد، من الأزهر، وكتب كلمة غلافها حتى يجيزها الأزهر، مفكر إسلامي آخر، محمد سليم العوا.
 
مع العلم أن الرواية نشرت مسلسلة في جريدة «الأهرام» المصرية عام 1959، واعتبرها تقرير أعده 3 من شيوخ أزهريين (محمد الغزالي وأحمد الشرباصي عضو ثالث) بحجة المس بالأديان التوحيدية، واتهام محفوظ بارتكاب جريمة آثمة فكانوا بمنعهم فوق الدولة.
 
صحيح أنهم رفعوا في البداية تقريرا ضد الرواية إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، عندما كانت الراوية تنشر على حلقات في جريدة «الأهرام»، وهو ما يذكرنا بالممارسة نفسها، التي مست «مدام بوفاري» لفلوبير.
 
موافقة الرئيس هي استسلام للرقابة واسترضاء لها. على العكس مما حدث مع «مدام بوفاري». فقد رفض القضاء الفرنسي المستقل الممثل في الدفاع، الرقابة بعد أن اقتنع بأن الرواية لا تمس الأخلاق العامة.
 
إصرار وكيل الدولة لم ينفع بعد تدخل المجتمع المدني المتمثل في شخصية لامارتين، الذي ناصر الرواية وحرية الكتابة. فواصلت الجريدة نشر الرواية المسلسلة بشكل عادي. بالمقابل أوقف نص نجيب محفوظ ومنع من التداول. جبن الحكم – حتى ولو كان على رأسه جمال عبد الناصر – سمح للرقابة بأن تضع نجيب محفوظ في خانة الكافرين، وفق منطق مشايخ الأزهر المنغلقين. فمحاولة قتله ليست في النهاية إلا استجابة لضعف الدولة في مواجهة تيارات جفاف التخييل والرقابة.
 
«أولاد حارتنا» هي أول رواية يكتبها بعد ثورة يوليو/تموز، بعد الثلاثية في 1952 التي توقف بعدها عن الكتابة وتوجه نحو السيناريو.
 
يقول نجيب محفوظ في هذا السياق لرجاء النقاش: «كانت فرحتي غامرة عندما أمسكت بالقلم مرة أخرى، ولم أصدق نفسي عندما جلست أمام الورق من جديد لأعاود الكتابة. وكانت كل الأفكار المسيطرة علي في ذلك الوقت تميل ناحية الدين والتصوف والفلسفة. فجاءت فكرة رواية «أولاد حارتنا» لتحيي في داخلي الأديب، الذي كنت ظننته قد مات… الرواية هي اقرب إلى النظرة الكونية الإنسانية العامة».
 
مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر عام 1988 سنة فوز محفوظ بنوبل، ظل مغلقا حتى النهاية. أصر المجمع على ضرورة الاستمرار في منع الرواية منشورة أو مسموعة أو مرئية من التداول. وعدم السماح لها بدخول الأراضي المصرية.
 
لهذا يأتي السؤال ما جدوى إصرار محفوظ على ربط نشر الرواية بإرادة الأزهر، ولمؤسسة دينية غير مؤهلة نقديا للحكم على الرواية؟
كان بامكانه أن يفعل ما فعله فلوبير، يرفع قضية ضد المؤسسة الدينية المانعة. هل يعقل أن يتأخر نشر الرواية في مصر 48 عاما؟

وعندما نشرت، كان ذلك بتزكية أزهرية. فقد كتب لها الدكتور أحمد كمال أبو المجد مقدمة تبعد عن الرواية تهمة الكفر، وتنسبها لحق التخييل الروائي: إن ما أثارته الرواية يدور حول قضيتين، أولاهما أن من أصول النقد الأدبي التمييز الواجب بين الكتاب، الذي يعرض فيه الكاتب فكرته ويحدد مواقفه، ملتزما في ذلك الحقائق التاريخية والوقائع الثابتة، دون افتئات عليها، ودون مداراة لما يراه في شأنها، وبين الرواية التي قد يلجأ صاحبها إلى الرمز والإشارة، وقد يُدخل فيها الخيال إلى جانب الحقيقة العلمية، ولا بأس عليه في شأن من ذلك، فقد كانت الرواية قديما وحديثا صيغة من صيغ التعبير الأدبي تختلف عن الكتاب والالتزام الصارم الذي يفرضه على مؤلفه (…) في إطار «أولاد حارتنا» فإنني فهمت شخصية عرفت بأنها رمز للعلم المجرد وليست رمزا لعالم بعينه، كما فهمت شخصية الجبلاوي على أنها تعبير رمزي عن الدين، وليست في حال من الأحوال تشخيصا رمزيا للخالق سبحانه، وهو أمر يتنزه عنه الأستاذ نجيب محفوظ…»، كان من الممكن طباعة الرواية بدون المقدمة لكن الناشر احتاط وحرص على تنفيذ الوصية، التي اشترطها نجيب محفوظ لحسن صبري الخولي، الممثل الشخصي للرئيس عبد الناصر بأنه لن يطبع الرواية في مصر إلا بموافقة الأزهر.
 
مصادرة أي كتاب جريمة، والقبول بمقدمات تبريرية هو اعتراف بسلطة مؤسسة دينية لا علاقة لها بالأدب ونظامه. تلك مشكلة نجيب محفوظ، ربما كانت مشكلة الإنتليجنسيا العربية كلها، التي تحاول استرضاء الجميع، إلا قناعاتها.