الموقع بوست
واسيني الأعرج

واسيني الأعرج

الهزات النقدية العنيفة

الاربعاء, 15 أغسطس, 2018 09:55:00 صباحاً

لا خيار، فإما دخول المنظومة بكل معوقاتها وسلبياتها وحسناتها التواصلية، أو الموت المبرمج. سؤال الحياة والموت ليس عبثيًا، فهو يمتلك كل مبرراته الموضوعية.
 
هل حقيقة وصلت مناهجنا النقدية إلى منتهى عطائها لأنها مؤسسة على الوهم النقـــــدي الذي عوض الفعل النقدي إلى كمّ كلامي ومصطلحيّ كبير وتقنية مفرطة وشكلية تخفي تحتها ضعفًا كبيرًا في الممارسة النقدية بالمعنى التاريخي الفعلي أكثر من انبنائها على فكر حقيقي فعال، ليس في الأكاديمية فحسب، بل في الآليات المنهجية المتبعة حتى اليوم؟ هذا يستحق منا هذا وقفات جدية تستجيب لما آلت إليه الأوضاع النقدية جامعيًا، ولكن ليس بمعزل عن الحياة الثقافية أيضًا.
 
يدفعنا هذا إلى تأمل الظاهرة النقدية في أفولها المستمر على الأقل كفاعلية ثقافية وفكرية مساهمة في التحول الثقافي العام، وحتى المجتمعي. وهذا ليس ظاهرة محلية أو عربية فقط، بل عالمية أيضًا، وخاصة في الزمن الذي نعيشه، حيث يعاني النقد العربي من أصعب أزمنته وأزماته من حيث الجدوى. أما يزال للنقد العربي شيء يقوله؟ هل يملك وسائط التلقي الإيجابية؟
 
النقد العالمي نفسه لم يستطع تخطي أزمته على الرغم من اجتهاداته. إن ما فعله الباحث الفرنسي بيار بورديو عندما طرح القضية الإعلامية في سلسلة محاضراته في الكوليج دو فرانس، يدخل في هذا السياق. يبدو أننا لا نستفيد كثيرًا من المتغيرات الحاصلة في كل الحقول. ننتظر حتى تستقر على شكل ما، لننقلها إلى حقل كثيرًا ما ينكرها وينفرها، ولا ندخل خضم السجالية في عز تكون الظاهر من منطلقات ثقافية لها بعض سماتها الخاصة مهما اتسعت التقاطعات العالمية بالمعنى الثقافي.
 
هناك حالة تشظي في العملية النقدية عالميًا، تسلمتها الآلة الإعلامية بقوة واستثمرتها لصالحها، كأن تجد مثلًا فلانًا يعمل في المجلة الفلانية، تخصص في النقد أو في علم الجمال أو في الهندسة المعمارية أو الموسيقى، أو في غيرها. فهو يملك هوية الصحافي أكثر من الأكاديمي، فالأكاديمية لا تكسوه من عري ولا تطعمه من جوع ولا تغنيه بالمعنى النقدي والمتابعة، أي أن مساحة الأدب والعمل فيه سرقت إعلاميًا من النقد ودفع بها إلى مزيد من العزلة في مغارات التجمعات الأكاديمية التي يكرر أغلبها النظريات التي لم تعد تسترعي أي انتباه لدى القارئ العادي الذي أصبح ملتصقًا بما تقوله الوسائط الإعلامية أكثر من ارتباطه بالنهج الأكاديمي الذي انحسر متابعوه.
 
زمن صعب، يتحول بسرعة كبيرة تجعل من متابعته أمرًا ليس هينًا ولا يسيرًا. يتم هذا في ظل طغيان هيمنة الوسائط الاجتماعية التي اجتاحت كل الحقول، ويقف النقد العربي أمامها باهتًا، مجردًا من أي سلاح، ولا حتى من أي تفكير أو تأمل من أجل تخطيها.
 
هناك محاولات لا تعدو أن تكون مجرد ردة أفعال تجاه حالة لا يعرف النقد منطلقاتها ولا مؤدياتها، بل يجهل ميكانيزماتها الاستراتيجية أحيانًا. لقد تراجع النقد العربي، أو يكاد، أمام المواجهة التي تجمعه اليوم بجنس متسلط، اسمه الرواية، وهذه محت من حيث الحضور على الأقل، كل الأجناس الأخرى من طريقها. نعرف جيدًا أن النقد ظل دومًا في الدوائر الأكثر تخصصًا، ومنها الدوائر الأكاديمية، لكن حضوره كان دائمًا مهمًا ويعدل من مسارات الأدب.
 
لم يكن فيليب هامون الذي خصّ جهده للشخصية وتحولاتها ظاهرًا في المحافل العامة، ولم يكن فيليب لوجون الذي جعل من السيرة رهانه النقدي معروفًا خارج الأوساط الجامعية شديدة التخصص على الرغم من قيمته العلمية التي لا تضاهى، ولم يكن محمد آركون الذي تعمق في الدرس الإسلامي من الموقع التاريخي والأنثروبولوجي حالة إعلامية كبيرة، على الرغم من قيمته الأكاديمية والتاريخية.
 
وكذلك لم يكن باستطاعة جهود ميشيل فوكو، ورولان بارث، وجيرار جنيت، وجمال الدين بن الشيخ وغيرهم، أن تضعهم في المدارات الإعلامية الثقيلة والمهمة كالتلفزيون، وهم يستحقونها بامتياز، مثلما حدث للروائيين الذين أصبحوا جزءًا من المشهد الثقافي والإعلامي، كنجوم يملأ حضورهم الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي.
 
الوحيد من الباحثين الذي ظل حاضرًا في المشهد الإعلامي العام هو سارتر، لأنه ترك الأوساط الثقافية ونزل إلى الشارع العام. صوره وهو يوزع المنشورات الداعية إلى الانتفاضة في 68 تبين أن الرجل أدرك في وقت مبكر أن الفكر العظيم يحتاج إلى حامل له لإشاعته، الإعلام بالدرجة الأولى، لهذا وجب الاستفادة منه، وإلا سيظل الفكر سجين أصحابه ونقاشاتهم، مهما كانت قيمتها التاريخية والمعرفية.
هناك، في عصرنا، انفصال كلي بين المعرفة المغطاة إعلاميًا والمعرفة المهملة مع أن فوائدها استراتيجية، كأن هناك قصدية في التجهيل تشرف عليها مؤسسات كبيرة وغير مرئية. على الرغم من ذلك كله، هناك جيوب مقاومة تتبناها أسماء قليلة ما تزال تؤمن بجدوى النقد.
 
المسألة مفهومة عالميًا ويمكن تفسيرها بسهولة. نجد المئات بل الآلاف من المبدعين الروائيين عالميًا، لكن صناعة ناقد واحد تقتضي زمنًا حقيقًا؛ لأن المسألة أكثر تعقيدًا ثقافيًا وتركيبيًا. النقد ثقافة وانتماء كلي لعصر أو لسلسلة من العصور، وآلة لاختبار جدوى النصوص وفهم حركتها الداخلية وآلياتها، والآلة تحتاج إلى أن تكون ملمة بثقافة عصرها ولا تبقى على هامشه، وهذا يقتضي خبرة معرفية ترتكن حتمًا إلى جهد كبير ومميز.
 
بكيفية استقبال النقد العربي للممارسات النقدية الغربية، من خلال الرواد، مثل طه حسين، والعقاد، ولويس عوض، ومحمد مندور، وشكري عياد، وغيرهم، إضافة إلى الأجيال اللاحقة، فقد تعاملوا مع المنجز النقدي الغربي المبني على معرفة حقيقية، كأنه مادة منتهية وغير قابلة للسجال وأخذوها على علاتها من دون مراعاة للظرفيات الثقافية المحلية. وقد ظلوا رهيني الإعجاب والنموذجية الغربية التي لم يفهموها وفق اشتراطاتها ومؤدياتها، وسرعان ما ظهر ضعف هذه الموجة الثقافية ميدانيًا لأنها لا تملك الأساسيات التي تجعلها مبدعة وخلاقة من الناحية النقدية.