الموقع بوست
د. محمد المسفر

د. محمد المسفر

السعودية وأمريكا وإسرائيل

الاربعاء, 28 نوفمبر, 2018 09:22:00 صباحاً

ترتبط الدولة السعودية مع الولايات المتحدة الأمريكية بعلاقات مميزة تعود جذورها إلى المرحلة الأولى من تأسيس المملكة العربية السعودية في ثلاثينيات القرن الماضي عندما حلت بالملك عبد العزيز- رحمه الله- ضائقة مالية وترددت بريطانيا في حينه عن تقديم مساعدة مالية إلا في حدود ضيقة جدا رغم أنها الحليف الرئيسي لبريطانيا في مواجهة العثمانيين ولم يجد من يمد يد العون له بسخاء إلا أمريكا في ذلك الزمان. احتفظ الملك عبد العزيز بالجميل لها وكانت الأولى بمنحها عقودا لاكتشاف البترول في السعودية «آرامكو»، ومن هنا كانت الحظوة لأمريكا منذ ذلك العهد مرورا بالملك سعود ومن بعده فيصل وخالد وفهد وعبد الله وأخيرا سلمان على التوالي.
 
وعلى الرغم من العلاقات السعودية الأمريكية المتميزة، إلا أن القضية الفلسطينية كانت تحظي باهتمام ملوك السعودية على التوالي، ولم يتجرأ أي من منهم على المجاهرة بأي علاقة تربط بينهم وبين إسرائيل تحت الضغوط الأمريكية، وحتى الملك عبد العزيز المؤسس للمملكة كان يجاهر بمعاداة إسرائيل وعدم السماح لأمريكا بان تمارس عليه أي ضغوط ، من اعتراف صريح بإسرائيل أو التعامل معها بطريقة غير مباشرة أو السكوت عن المطالبة بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني.. السعودية اشتركت في حرب فلسطين بقوات رمزية عام 1948، ووقفت ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 م.
 
عندما وقع العدوان الثلاثي «إسرائيل، فرنسا، بريطانيا» على مصر صرح الملك سعود- رحمه الله- لجريدة البلاد السعودية قائلا: « لقد عاش آبائي وأجدادي عشرات السنين يركبون الجمال والخيل ويأكلون التمر وفي سبيل العروبة نحن مستعدون للتضحية بكل شيء حتى لو أدى ذلك إلى العودة إلى الصحراء على الخيل والجمال، فالعزة والشرف مع الجوع خير من الرفاه مع الذل « وأمر الملك سعود بقطع البترول عن فرنسا وبريطانيا، ومنع وصول البترول السعودي إلى هاتين الدولتين بأي وسيلة كانت.
 
وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي تقدم الملك فهد بمبادرة لحل الصراع العربي الإسرائيلي «القضية الفلسطينية «أمام مؤتمر القمة العربي في المغرب ( فاس ) عام ( 1981 )، وسار على طريقه الملك عبد الله وقدم مبادرة للشأن ذاته لمؤتمر القمة العربي في بيروت عام 2002، ولم تستجب إسرائيل لأي من تلك المبادرات السعودية والتي جرى تبنيها عربيا بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية. ما أردت قوله هنا، أن الدولة السعودية كانت تحرص على إيجاد حلول للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي ترضى الشعب الفلسطيني، وكذلك إجماع عربي على مستوى القمة. ولعلم الكاتب فان السعودية رسميا لم تعلن إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل التي أعلنتها عام 1948،ولم تعترف بها رسميا.
 
في عهد الملك سلمان آل سعود وولي عهده ابنه محمد تكاثرت اللقاءات السعودية الإسرائيلية، الجنرال أنور عشقي يقود مجموعة من رجال الإعلام والمال لزيارة إسرائيل جهارا نهارا، ولم يصدر بيان سعودي يرحب أو يدين تلك الزيارة، الأمير تركي الفيصل كثرت لقاءاته وحواراته مع رموز الكيان الصهيوني ولم يعترض عليها أو يؤيدها احد، لكن الصمت في هذه الحالة تأييد ومباركة لما فعل.
 
ينسب إلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان انه عراب «صفقة القرن» أي ما يعني إنهاء المسألة الفلسطينية نهائيا وإلى الأبد، وضمنا باركت السعودية انتقال السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس التي تعتبر بموجب قرارات الأمم المتحدة مدينة محتلة بالقوة المسلحة من قبل إسرائيل منذ عام 1967.كما ينسب إلى الأمير محمد في ابريل 2018 قوله أمام تجمع لليهود في مدينة نيويورك «أن على الفلسطينيين أن يقبلوا مقترح السلام أو يخرسوا».
 
في نوفمبر 2017 زار المدينة المنورة الصحفي الإسرائيلي «بن تزيون» ومن داخل الحرم النبوي الشريف وبالقرب من مرقد الرسول عليه السلام اخذ الصحفي الإسرائيلي مجموعة صور مع مواطنين ومواطنات سعوديين وسعوديات رغم علمهم بأنه إسرائيلي يهودي، ومن الجدير بالذكر أن إسرائيل تطالب السعودية بحقوق تدعي أنها ليهود هاجروا من المدينة عند انتشار الإسلام فيها. وفي عهد الملك سلمان وولي عهده أصبح المجال الجوي السعودي مفتوحا للطائرات الإسرائيلية المتجهة من إسرائيل إلى قارة آسيا وإليها ولن أتحدث عن التنسيق الأمني بين إسرائيل والسعودية في عهد الملك سلمان ولا مشتريات السلاح ومعدات التجسس فذلك يحتاج إلى صفحات لا مجال لها هنا.
 
عندما نتحدث عن المملكة السعودية ومواقفها التي تمس الأمن القومي العربي والإسلامي ليس من منطلق الكراهية والحقد بقدر ما هو غيرة على سمعة هذه الدولة التي يسمى ملوكها واحدا تلو الآخر باسم « خادم الحرمين « فعلى مر حقب ملوك السعودية لم يتجرأ احدهم على اللقاء ولو سرا مع أي مسؤول أو صحفي إسرائيلي. ولكي أكون الناصح الأمين للنظام السياسي القائم اليوم في الرياض بقيادة الملك سلمان وابنه محمد بأنه لا إسرائيل ولا أمريكا الضامنان لبقاء الدولة السعودية قائمة وتجارب التاريخ وعبره تبدي لنا ذلك، شاه إيران محمد رضا بهلوي كان أكثر قربا لأمريكا وإسرائيل، وكذلك هيلا سيلاسي، وماركوس في الفلبين وأنور السادات في مصر وغيرهم كثير في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، كلهم أكثر قربا ثقافيا وحضاريا أو عرقيا من آل سعود إلى أمريكا، وتأكدوا بأنه لا عاصم لكم من غضب الشعب والأمة العربية والإسلامية إلا بالرجوع إلى الحق والارتباط بأمتكم وشعبكم ومحيطكم العربي، ولا عاصم لكم من غضب الله إلا بإطلاق سراح جميع المعتقلين أصحاب الفكر والرأي السديد.
 
إن دبلوماسية الاسترضاء التي يتبعها ولي العهد محمد بن سلمان لأمريكا وإسرائيل تصب في خانة الخسارة الوطنية والقيم التي تربى عليها الشعب العربي وخسارة النظام السياسي جملة وتفصيلا في السعودية.
 
أن الركض نحو التطبيع مع إسرائيل غير مجد للدولة السعودية، وان التنازلات التي يقدمها الأمير محمد للإدارة الأمريكية سواء في زيادة إنتاج البترول لتخفيض أسعاره ليصل البرميل إلى 54 $ بدلا من 82 $ أو مشتريات السلاح سيشكل كارثة اقتصادية على السعودية. لقد أهانكم يا سمو الأمير محمد إهانة كبرى وعلى شاشات التلفزة الأمريكية عندما عرض لوحة بها سلع عسكرية وأسعار تلك الأسلحة، كما انه شوه سمعتكم أمام الرأي العربي والإسلامي عندما قال «انه لولا السعودية لكانت إسرائيل في ورطة كبيرة» وقال أيضا على التلفاز «أن السعودية ساعدتنا في دعم إسرائيل، وقال الكثير مسا بمكانة حكام الخليج قبل 30 عاما في مقابلة مع المذيعة الأمريكية «أوبرا ينفري».
 
آخر القول:
 
يقول الرئيس ترامب إن أمريكا مديونة بـ19 تريليون دولار، على دول الخليج دفعها بدون تردد، إنهم لا شيء، ومن دوننا لن يستطيعوا الحياة.
 
هل ستقبلون أن تكونوا خدما لأمريكا طيلة أعماركم لتسددوا ديونها؟!
 
عن صحيفة الشرق القطرية